خلال الأسبوع الماضي تذكرنا جميعا وعد بلفور وكيف أدى هذا الوعد إلى إقامة دولة جديدة على ارض عربية سرعان ما اعترف العالم بها، هذا الوعد الذي يذكرنا كل عام بفقدان جزء من أرضنا لا يختلف كثيرا عن لعنة الفراعنة التي يتحدث عنها علماء الآثار والمؤرخين. هذا الوعد سبب لنا الكثير من القلق وعشنا خلال القرن الماضي إشكالية كبرى تمثلت في مواجهتنا الدائمة من اجل منع الاحتلال للأرض العربية.
الآن وبعد كل هذه المدة الطويلة من قيام دولة إسرائيل بقي لنا شيء واحد وسؤال محدد: ماذا خسر العرب باحتلال فلسطين..؟.الكثير يقول ان العرب لم يكونوا في موقف يسمح لهم بتحديد خسارتهم من هذه القضية وهذا اقرب إلى الحقيقة بمعنى آخر العرب لم يكن لديهم الخيار في تحديد الكيفية التي سوف يدافعون بها عن فلسطين وخاصة أن الوعد جاء من دولة قوية كبريطانيا.
إسرائيل قامت بفعل خطط كبيرة استمرت لسنوات طويلة إلى أن عرفت الصهيونية كيف تصل إلى مبتغاها بالحصول على وعد من وزير خارجية اكبر الدول العالمية آنذاك. الذين يعتقدون أن العرب في ذلك الوقت كان بإمكانهم منع هذا الاحتلال يخطئون كثيرا فليس بالإمكان أكثر مما كان فلقد كانت الدول العربية منهكة بل إن كثيرا منها لم يكن موجودا على الخارطة العالمية.
الدول العربية التي كانت تخوض في معارك بينها صنعها الاستعمار لم يكن لديها النضج الكافي لمعرفة ماذا يجري على ارض الواقع، بل إنها كانت تبحث عن نفسها وتتفقد ما بقي على الأرض ولم تكن في موقف يجعلها تنظر ماذا يجري من حولها. هذه الفرصة الثمينة وغيرها هي التي استثمرها اليهود بشكل سريع ومتقن لتحديد الموقع المناسب لإقامة دولتهم التي حلموا بها سنوات طويلة.
الحالة التي كان عليها العرب عندما أطلق بلفور وعده المشؤوم لم تكن سوى مجموعات مستعمرة في معظمها بل كلها تقريبا فهذا الوعد جاء متتابعا مع اتفاقية توزيع العالم العربي إلى دويلات في سايكس بيكو عام 1916 والتي سبقت هذا الوعد بعام تقريبا. هذا الوعد لم يكن سوى تحول في القضايا السياسة العالمية لخدمة الأقوياء بينما كنا نحن العرب لا نعرف من تلك السياسة شيئا بل حتى حروفها الأبجدية فما بالك بالحديث عن السياسة الدولية والتعامل معها.
العرب لم يكونوا سوى فئات عربية (قبلية) تحاول أن تنتزع أرضا لتعيش عليها ولم تكن تطلق عليها أوطانا فهذا المصطلح ليس في قاموسها بعد، فهي لم تدرك في ذلك الوقت معنى الوطن لقد كانت تنعتها (بالمضارب) والمضارب في لغة العرب ارض المرعى. لم تكن الشعوب العربية تبحث عن ماذا يجري حولها لقد كانت منشغلة بماذا يجري أسفل منها وصارت العروبة شكلا من أشكال التكوين الاجتماعي الذي تختفي خلفه الأيديولوجيات والأفكار فصار الكل ينادى باسم قبيلة العروبة بطريقته الخاصة.
البحث عن مكان يستقل به العرب عن بعضهم في ارض يسمونها دولة كان الهم الأكبر لكل العرب لذلك تشكلت جماعات النضال وكنا نعتقد أننا نفاجئ المحتل بتلك التشكيلات العسكرية وعملياتها ونرفع شعارات النضال أمام المحتل الذي قضى بيننا سنوات طويلة دون أن نستطيع أن نطرده ولم يخرج المحتل إلا عندما قرر هو الخروج وليس نحن في مواقع كثيرة من أرضنا العربية.
معادلة العرب وإسرائيل ليست قضية احتلال لأرض عربية فكل الأرض العربية احتلت إلا القليل منها، القضية أن احتلال الأرض العربية في فلسطين كان هدفا مختلفا فهذه البقعة من الأرض العربية أصبحت المكان المناسب لزرع دولة إسرائيل التي كان بالإمكان أن تزرع في أي مكان في العالم.
اختيار فلسطين لزراعة هذه الدولة لم يكن عملا عشوائيا لقد كان عملا مخططا كما نعرف ولكن الذي لا نريد أن نعرفه أن ارض فلسطين هي ارض للديانات جميعا ووجود اليهود فيها يمنحهم الفرصة للتحكم في تاريخ اكبر منطقة تجمع للديانات العالمية، وخاصة إذا عرفنا أن المسلمين والمسيحيين لهم ارتباط ديني كبير في تلك الأرض. اليهود باختيارهم لهذه الأرض يريدون بناء تاريخهم على أنقاض المساجد والكنائس التي يرغبون في إزالتها مستقبلا، فلديهم الرغبة الكاملة لإثبات أحقيتهم في هذا الأرض عبر لعبة التاريخ وليس لعبة الاحتلال.
لقد نجح اليهود حيث فشلنا وهذا ما لم نعترف به..! ولكن كيف كسب اليهود هذه المعركة التاريخية مع العالم واستطاعوا أن يحتلوا أرضا عربية ليس بالاستيلاء عليها من العرب ولكن باستقطاعها من دولة أخرى غير عربية ساهمت في هذا الاحتلال. الكثير من البريطانيين حاليا يشعرون بالخجل من ذلك الوعد ويعتبرونه وصمة سوداء في تاريخ دولتهم وهذا ما لم نستثمره بشكل جيد. اليهود كانوا يملكون المال من اجل تحقيق مأربهم ونحن العرب نملك الآن أكثر منهم ولكننا لا نفكر بطريقتهم التي جعلتهم يحصلون على ما يريدون.
لقد آن لنا أن نعترف بأن إسرائيل أصبحت واقعا ولكن هذا الواقع أيضا ليس حتميا فقد يأتي يوم لا توجد فيه دولة لإسرائيل ولكن التفكير بطريقة سلبية هو الذي يجعلنا دائما نتصور أن بإمكاننا نحن وفي هذا الزمن إخراج إسرائيل بين عشية وضحاها. نحن بحاجة إلى أن تنقلب موازين العالم وقواه لتحقيق ذلك وقد يكون العالم بحاجة إلى حرب عالمية ثالثة حتى نتمكن من إخراج إسرائيل مرة أخرى من أرضنا.
إسرائيل التي كانت تستخدم المال لترويض العالم مارست أدوارا أخرى ولم تكتف بالمال فقط فقد استخدمت التاريخ وروضته لصالحها فمع تطور العالم وبروز القضايا الإنسانية على المساحة العالمية والاهتمام بحقوق الإنسان وجدنا أن إسرائيل تسبقنا إلى هذا المضمار لتذكر العالم بكوارث (الهولوكوست) من اجل استعطاف الشعوب المتحضرة بتلك الأفكار الإنسانية. آخر محاولاتها القائمة هي تبني قضية مهمة فهاهي تحاول وعبر دولة قوية أن تمرر قرارا يعتبر محرقة (الهولوكست) مجزرة تاريخية يجب أن يتعلمها أطفال العالم في مدارسهم.
هكذا يفكر اليهود وهكذا يستثمرون الفرص وهاهم ومنذ سنوات طويلة ومنذ البدايات الأولى لفكرة السلام ومؤتمر مدريد وهم يعدون بالسلام ولكنهم لا يحققون من ذلك شيئا لان مطامعهم في الأرض العربية اكبر مما كنا نتوقع. لقد نسفنا الكثير من الفرص خلف ظهورنا ودخلنا في صراع مع بعضنا في الكيفية التي نتعامل بها مع إسرائيل لقد رفضنا مقترحات وحلولا كثيرة كان بإمكانها إنهاء الأزمة في وقت مبكر يوم كان اليهود في شك من إمكانية بقائهم على ارض فلسطين.
لقد خضنا الحرب تلو الحرب من اجل الفوز بالقضية الفلسطينية فماذا وجدنا لقد انتهى بنا الأمر إلى خسائر في الحياة السياسية والاجتماعية والفكرية وبقينا في حالة حرب شلت كل قوانا التنموية فلم يتطور العرب ولن يتطوروا فنحن نفكر بطرق عقيمة في كثير من الأحيان ولا نعلم كيف نتعاطى القضية الفلسطينية.
إن شعوبنا العربية بحاجة إلى رحمة من قياداتها فهي تقول لقد سئمنا القضية الفلسطينية وسئمنا القتل والترويع وسئمنا تلك الأموال الطائلة التي تشتري السلاح بدلا من بناء المدارس والمصانع، وبعد كل ذلك هل أدركنا قضية فلسطين..؟
كاتب سعودي