الطاقة النووية لها وجهان: العسكري التدميري، والمدني التعميري، والقنبلة النووية التي تحتكر الدول الكبرى امتلاكها وتحرم على الدول الأخرى مجرد الحق في امتلاك المعرفة والتكنولوجيا النووية إلا بصورة انتقائية وبمعايير مزدوجة وبشروط سياسية وبإجراءات رقابية تتصادم بالضرورة مع السيادة الواجبة للدول المحترمة بهدف تثبيت احتكارها للقوة وللمعرفة لإرهاب الدول المخالفة لسياساتها بمنعها من حماية نفسها أو بمنعها من التنمية والتقدم، ما هو إلا الوجه الأول.
أما الوجه الثاني فهو الوجه المدني التعميري عن طريق الاستخدام السلمي لهذه الطاقة الهائلة في البحث العلمي لتوظيف الآفاق المتعددة لها وغير القابلة للنضوب في التنمية عن طريق توليد الطاقة الكهربائية، وتوفير المياه بتحليه مياه البحر، وبالمياه والكهرباء يتوفر الأساس الحيوي الدافع لحركة التنمية الزراعية والصناعية والبحث في العلوم الأخرى.
وما يستدعي التوقف أن أميركا كانت أول دولة تعاملت مع الطاقة الذرية بوجهيها التدميري والتعميري، حينما أنتجت القنبلة الذرية، بل وأول دولة استخدمتها لقتل مئات الآلاف من اليابانيين المدنيين في هيروشيما ونجازاكي لإجبار اليابان على الاستسلام في الحرب العالمية الثانية، مما اضطر الاتحاد السوفييتي إلى الحصول على أسرارها من داخل أميركا.. كما كانت هي أول دولة دعت إلى وضع الذرة في خدمة التنمية حينما أعلن الرئيس إيزنهاور مبدأه الشهير عام 1953 «الذرة من أجل السلام» بعد أن كسب الحرب في أوروبا والترتيب لوراثة الاستعمار في آسيا وإفريقيا!
وكانت مصر هي أول دولة عربية ـ وتلتها لاحقاً العراق والجزائر ـ تتعامل مع هذا الواقع الدولي الجديد بعد عام واحد من قيام ثورتها التحررية عام 1952، وتجاوباً مع مبدأ «أيزنهاور» شكل الرئيس جمال عبدالناصر أول لجنة للطاقة الذرية في مصر عام 1955، وعندما قررت الأمم المتحدة إنشاء الوكالة الدولية للطاقة الذرية عام 1957 بناءً على مشروع أميركي أيضاً، سارعت مصر إلى الانضمام كدولة مؤسسة لهذه الوكالة التي ستساعد الدول المشاركة فيها في الحصول على المساعدات التقنية من الدول الكبرى لاستخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية.
ووقعت مصر في هذا الإطار عدة اتفاقات مع عدد من الدول الغربية للتعاون في مجال الأبحاث النووية، وحصلت على أول مفاعل صغير للأبحاث من الدانمارك عام 57 بعد تأسيس مؤسسة الطاقة الذرية المصرية، ثم حصلت على مفاعل روسي في أنشاص عام 61 وعلى مفاعل أرجنتيني عام 92 للأبحاث، وبدأت مشروعاً لأول محطة لإنتاج الكهرباء ولتحلية الماء في سيدي كرير عام 63 لكنه توقف بعد عدوان 67، وفى عهد الرئيس أنور السادات بعد انتصار حرب 73.
وعد نيكسون بإنشاء محطة كبرى في سيدي كرير عام 74 لكن واشنطن وضعت شروطاً عرقلت المشروع لتعود مصر عام86 بمحاولة لاستئناف المشروع في الضبعة لكنه تجمد بعد حادث مفاعل تشيرنوبل، ليعود الإعلان من جديد عام 2002 عن إنشاء 8 محطات نووية بالتعاون مع الصين وكوريا الجنوبية، وصولاً إلى المحطة الأخيرة التي تبدو مبشرة هذه المرة.
وذلك بإعلان الرئيس المصري حسني مبارك عن قرار مصر الاستراتيجي ببناء محطات جديدة لتوليد الكهرباء بالطاقة النووية، مشدداً على أن الاستخدام السلمي للطاقة النووية لا يجب أن يكون حكراً لدولة دون دولة، وهو ما سبق أن أكده في احتفالات أكتوبر 2006 بقوله إن الخيار النووي «يأتي في إطار استراتيجية شاملة لمستقبل الطاقة في مصر»، وأضاف انه «ما من أحد ينازعنا في حقنا الثابت في أن ننشغل بهذه القضية الاستراتيجية وأن نقرر بشأنها».
وبينما أغلب الدلائل تشير إلى أنه لا عقبات أميركية ولا إسرائيلية حقيقية على البرنامج المصري في ظل السلام مع إسرائيل بعكس الموقف الأميركي المضاد للبرنامج الإيراني في ظل العداء الإيراني لإسرائيل، فإن المفارقة الغريبة هي أن أميركا كانت أول من أنشأ البرنامج النووي الإيراني في ظل صداقة الشاه مع إسرائيل!