«أمس كان الوقت مبكرا، غدا سيكون متأخرا. اليوم 26 أكتوبر هو الموعد الصحيح، والثورة التي طالما تحدث عنها البلاشفة تحققت». هذا ما قاله فلاديمير إيليتش لينين زعيم الحزب الشيوعي الروسي، قائد الثورة البلشفية العظمى وواضع أساس بناء أول دولة اشتراكية يوم 26 أكتوبر 1917 بعد لحظات على الطلقة التي أطلقها مدفع الطراد الحربي «أوفرورا» كإشارة البدء لاندفاع البلاشفة لاقتحام قصر الشتاء ـ مقر الحكومة المؤقتة في العاصمة الروسية آنذاك ـ بطرسبورغ.
وقبل تحديد موعد الثورة حدد لينين مكانها، حين حلل واقع النظام الرأسمالي العالمي ووجد أن روسيا هي الحلقة الأضعف والقابلة للكسر في الموعد المحدد. ستحتفل البشرية التقدمية في كل أنحاء العالم، سرا وعلانية، بالذكرى التسعين لثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى بعد غد، السابع من نوفمبر، كما تفعل في كل عام. الفارق بين هذا اليوم و 26 أكتوبر 12 يوما هو نفس الفرق بين التقويم الميلادي الجريجوري القديم والجديد الذي انتقل إليه معظم العالم. لكن للاحتفالات هذا العام طعمها الخاص. فهي تصادف الذكرى التسعين.
وسيعود للاحتفال بهذه الذكرى بشكل مكثف ملايين من الشيوعيين الروس وإلى جانبهم أناس العمل وممثلو الطلبة والشبيبة والنساء والمتقاعدين وجرحى الحرب وغيرهم من الفئات الاجتماعية التي تردت أوضاعها كثيرا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق. ومن مينسك ـ عاصمة بيلاروسيا سيتقاطر على موسكو اليوم الاثنين، ممثلو الأحزاب الشيوعية والعمالية واليسارية من مختلف أنحاء العالم بعد لقائهم العالمي السنوي ليشاركوا أشقاءهم الروس الاحتفالات الضخمة التي ستدشن حملة الحزب الشيوعي وحلفائه لانتخابات مجلس الدوما (البرلمان) التي ستجرى في 2 ديسمبر المقبل.
المؤرخون يعتبرون ثورة أكتوبر أهم حدث في القرن العشرين. فلقد غير انتصارها مجرى التاريخ العالمي. فأقامت في روسيا أول دولة اشتراكية شكلت العمود الفقري لقيام الاتحاد السوفييتي الذي شكل رأس الحربة في مواجهة ألمانيا النازية وحرر من نيرها شعوبا في شرق ووسط أوروبا من بينها الشعب الألماني نفسه، حيث دحر الجيش السوفييتي الأحمر الفاشية في عقر دارها ـ برلين.
وعلى أنقاض الحرب وبنتيجتها قامت الاشتراكية كنظام عالمي في مقابل الرأسمالية. وقد حدد التوازن الاستراتيجي بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأميركية مسار العلاقة بين النظامين العالميين منذ الخمسينات وجنب البشر حربا عالمية جديدة بينهما حتى في أعقد الأزمات كأزمة بحر الكاريبي في الستينات.
وحفز وجود الاتحاد السوفييتي والنظام الاشتراكي العالمي شعوب بلدان أوروبا الغربية على انتزاع المكاسب الاجتماعية التي ترسخت وتطورت منذ ذلك الوقت، خصوصا بتحديد عدد ساعات العمل الأسبوعي بأربعين، وتعزيز حقوق المرأة العاملة وتحسين الضمان الاجتماعي وغيرها. كما حفز وساند نضالات شعوب القارات الثلاث ـ آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية من أجل التحرر الوطني واختيار طريق التطور المستقل. ودعم حاضنة هذه البلدان المتمثلة في حركة عدم الانحياز التي قامت على أساس مؤتمر باندونج 1956. كما حدد التنافس الاقتصادي طابع ومسار التقدم العلمي التقني والثورة التكنولوجية العلمية في السبعينات.
وإذا كانت ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى قد غيرت مسار العالم حقا، فإن الوهن أصاب الاتحاد السوفييتي بسبب عدم مقابلة العدالة الاجتماعية في التوزيع بديمقراطية في الحياة السياسية والحريات الشخصية، وبنظام اقتصادي قابل للتنامي الذاتي بدلا من استنزاف الموارد الطبيعية التي زخر بها الاتحاد السوفييتي. هذا الخلل الأساسي هو ما شكل الحلقات الأضعف التي ساعدت قوى العدوان من الخارج والردة في الداخل على إجهاض منجزات ثورة أكتوبر ومصادرتها ما أدى إلى انهيار الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية في أوروبا.
أيديولوجيو الرأسمالية وجدوا في المصير الذي آل إليه وضع العالم بعد انهيار الاتحاد السوفييتي نهاية الايديولوجيا ونهاية التاريخ التي يعنون بها خلود النظام الرأسمالي مشروطا بهيمنة الولايات المتحدة العالمية كقطب أوحد في هذا العالم. لقد حكمت هذه النزعة الولايات المتحدة في سياستها تجاه كل العالم.
وسعيا لإحكام القبضة على منطقتي النفط من قزوين إلى الخليج، من أفغانستان إلى العراق إلى لبنان إلى إيران اليوم وسوريا غدا، وربما يحين بعد غد دور بلدان أخرى حليفة للولايات المتحدة. وفي الفترة الأخيرة أخذت الولايات المتحدة تلمح للعالم أن حربا عالمية ثالثة تلوح في الأفق. وقد أخذت الشعوب والبلدان الأخرى تعي حقيقة أن العالم بعد الاتحاد السوفييتي لم يعد أكثر أمنا، بل أكثر عرضة للخطر.
وبدا أن غرور العظمة أصبح مؤشرا واضحا على بداية زوالها. فعلى مستوى مراكز الدراسات والأبحاث بدأ الحديث يدور بقلق عن بداية علامات أفول الولايات المتحدة كقوة عظمى. وأن أزمات الاقتصاد والسياسة والأخلاق تتصاعد إلى مستويات يصعب تجاوزها إلا بتغيير في طبيعة النظام الاقتصادي الاجتماعي. وهذا ما يحاول أيديولوجيو الحزب الجمهوري الترويج له، بما يعني أنهم منقذو أميركا من أفول تاريخي.
بالنسبة لبقية العالم يعيد هذا الوضع طرح السؤال الذي طرحه يوما ميخائيل غورباتشوف «بسذاجة» الحالم: هل يمكن للامبريالية أن تغير طبيعتها العدوانية. لقد هد غورباتشوف الاتحاد السوفييتي ـ حصن السلام في العالم، لكن الطبيعة العدوانية للامبريالية لم تتغير.
وعند هذا تعود أنظار البشرية القلقة من الحروب ومن مصير العالم لتشخص من جديد نحو حماة السلم العالمي والعدالة الاجتماعية، لكننا نضيف هذه المرة.. حماة التطور الاقتصادي المضطرد والحريات السياسية والشخصية، لتكون المنقذ الحقيقي لهذا العالم. ونجد أن الأحزاب التقدمية في بلدان العالم المختلفة تحتل مواقع أكثر تقدما في أفئدة وعقول البشر وفي التحولات على الأرض.
لهذا نجد الاحتفال بذكرى ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى لا يكتسب أهميته نظرا لأنها الذكرى التسعون فقط، أو لأن نستالجيا العودة للماضي تستبد بالتقدميين الذين فقدوا مواقعهم، بل لأن تاريخا جديدا تبدأ كتابته الآن، ولأن حلم الاشتراكية لدى البشرية التقدمية لم يمت، بل يعد من جديد بعالم جديد.
كاتب بحريني