إلى أي مدى نحن جادون في حماية لغتنا العربية التي هي رمز هويتنا؟ هذا هو السؤال الأكثر إلحاحاً الذي خرج به الذين حضروا اللقاء الثقافي الثاني الذي نظمته مشكورة وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع بمدينة العين يومي الجمعة والسبت الثاني والثالث من نوفمبر، وشارك فيه نخبة من مثقفي الإمارات الذين مثلوا أطياف الثقافة المختلفة في الدولة.
في لقائه بالمشاركين اتفق سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية مع المثقفين على أهمية العناية باللغة العربية وإيلائها الاهتمام الذي تستحقه باعتبارها وعاء الفكر والتراث، والدرع الذي تتمترس به الهوية الوطنية التي تتعرض للكثير من سهام العولمة ومخاطر الذوبان والتلاشي في مجتمع الإمارات الذي يعاني من خلل تركيبة سكانية تنقلب فيه المعادلة بين الوطني والوافد الأجنبي (غير العربي) بصورة تشكل خطراً على الهوية الوطنية لا يمكن تجاهله أو دفن رؤوسنا في الرمال مدعين عدم وجوده.
وكان سموه صريحاً وواضحاً في إبداء رغبة الحكومة ـ التي مثلها خمسة وزراء في هذا اللقاء ـ وحرصها على حماية هذه اللغة، وتعزيز دورها في مجتمع الإمارات، والبحث عن مواطن الخلل التي يتسرب منها الضعف إلى اللغة العربية لإلغاء دورها في الحفاظ على هوية الوطن المعرضة للخطر.
أما المشاركون في اللقاء فلم يوفروا جهداً في البحث عن مواطن الخلل هذه. وكان التعليم والإعلام أكثر هذه المواطن تعرضاً لأصابع الاتهام التي اتجهت إليهما مباشرة مفندة الدور الذي يلعبانه في إضعاف اللغة أحياناً، وتهميشها أحياناً أخرى، ووضعها على الرف في كثير من الأحايين تعبيراً عن عدم الحاجة إليها أو الاستغناء عنها مؤقتاً، حتى يصبح هذا الاستغناء دائماً وتطوي صحائف النسيان هذه اللغة التي ندعي أنها عنوان هويتنا ومصدر اعتزازنا.
ربما يبدو الحديث في هذا الاتجاه يأخذ تسلسلاً منطقياً يقودنا إلى النتائج التي نريد الوصول إليها، متدرجين في حديثنا من وضع اليد على مواطن الخلل حتى نصل إلى وسائل معالجته وسد الثغرات التي يتسلل منها هذا الضعف إلى لغتنا التي لا يشك أحد في غيرتنا عليها وحرصنا على حمايتها وتوفير المناخ الأفضل لها كي تقوم بدورها في تعزيز هويتنا الوطنية ومدها بكل أسباب القوة التي تحفظها وسط طوفان الجنسيات والثقافات واللغات غير العربية التي يزخر بها مجتمع الإمارات الذي يتعرض لتدفق هائل من (حوالي 203 جنسيات).
كما جاء في (مبادرة الحفاظ على اللغة العربية) التي قدمتها وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع إلى المجتمعين (لقراءتها ومراجعة ما جاء فيها) بعد أن (وضعت الاستراتيجية الاتحادية يدها على مواطن الخلل وحددت هدف حماية اللغة العربية من ضمن أهدافها الوطنية المخلصة، ورسمت فيه دوراً للجميع، يبين مواقفهم تجاه حماية اللغة العربية، ويجعل من هذا الدور متطلباً أساسياً من متطلبات الحفاظ على الهوية الوطنية).
والحق يقال إن من يطلع على مشروع المبادرة التي قدمتها الوزارة يجدها تضع يدها فعلاً وبشكل صريح ومباشر على مواطن الخلل، وتقدم حلولاً نستطيع أن نطلق عليها (ثورية) لمعالجة التدهور الذي تتعرض له اللغة العربية في مجتمع الإمارات، وتصب في الاتجاه نفسه الذي دارت حوله حوارات اليومين اللذين كانا حافلين بالعديد من الأوراق التي ناقشت دور الثقافة في تعزيز الهوية الوطنية، وارتباط اللغة العربية بالهوية الثقافية، وموقع اللغة العربية في مناهج التعليم الإماراتية، ودور الإعلام في تعزيز اللغة العربية.
تفعيل دور اللغة العربية ووجودها بصفتها مكوناً مهماً من مكونات الهوية الوطنية، وعنصراً أساسياً من عناصر أصالتها، وجذراً في تراث أمتنا العربية واستكشاف التحديات التي تواجهها كما جاء في أهداف اللقاء الثقافي الوطني الثاني كانت محور الأوراق التي قدمت في اللقاء والمداخلات التي أعقبتها، فإلى أي مدى استطاع المشاركون في اللقاء تحقيق هذه الأهداف، وإلى أي مدى استطاعوا أن يضعوا أيديهم على مواضع الجروح التي تعاني منها اللغة العربية، وإلى أي مدى استطاعوا أن يشخصوا المرض ويصفوا الدواء الناجع له؟ هذا هو التحدي الأكبر الذي تواجهه مثل هذه اللقاءات والندوات.
كل الذين شاركوا في اللقاء لا يسعهم إلا أن يشكروا وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع على الشفافية التي تميزت بها، ومساحة الحرية التي أتاحتها للمشاركين كي يعبروا عن آرائهم، وإفساح المجال لصياغة التوصيات التي يرونها، ولكن يبقى السؤال الأهم هو: هل ستجد هذه التوصيات طريقها إلى التنفيذ؟
في رأيي أن مبادرة الوزارة لو أتيح لها أن ترى النور فسوف تغنينا عن كل المؤتمرات والندوات والمقالات التي يخطها الكتاب ثم تذهب أدراج الرياح، لأن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، فهل سيخرج من هذه اللقاءات ما يمكن أن يقلب المعادلة كلها ويخرجنا من الواقع المر الذي تعيشه لغتنا العربية، أم يبقى كل هذا في خانة الأحلام التي نعيشها ولا نجد لها على أرض الواقع ظلاً؟
هذا هو التحدي الأكبر الذي نتمنى أن ننجح فيه جميعاً كي لا يبقى السؤال مطروحاً من لقاء إلى لقاء، بينما لغتنا تحتضر وهويتنا تنتحر ونحن نحمل أوراقنا من مؤتمر إلى مؤتمر.
كاتب إماراتي
