هل فقد جورج بوش قدرته الحسابية الاستراتيجية كرئيس لأكبر دولة عظمى؟ وهل ينطبق هذا التساؤل أيضاً على كبار مساعديه داخل الحلقة التي يطلق عليها «عصابة المحافظين الجدد»؟ السؤال طرحته صحيفة «هيرالدتربيون» الأميركية من خلال انتقادها لتجاوب الرئيس مع نزعة «العصابة» نحو شن هجوم عسكري على إيران.
لقد بات معلوماً الآن أن الحرب الأميركية في العراق قد أرهقت القوة العظمى سياسياً واقتصادياً وعسكرياً دون أن يبدو على الأفق القريب أي مؤشر بأن هذه الحرب تقترب من النهاية. فكيف إذن يفكر الرئيس في تدشين حرب أخرى ضد إيران وهي القوة الإقليمية الأشد بأساً من العراق؟ تقول هيرالدتربيون: «بعد أربع سنوات من غزو بلا معنى للعراق، لا يزال بوش يخلط بين الحماقة والاستراتيجية الواعية».
وبينما تعتقد الصحيفة بأن العالم لا ينبغي أن يسمح لإيران بتملك سلاح نووي، فإن توجيه ضربة إليها لن يكون مجزياً. لماذا؟ قاذفات القنابل الأميركية قد تنجح في تدمير المنشآت النووية الإيرانية القائمة على سطح الأرض.. ولكن ماذا عن المواقع النووية السرية المخفاة تحت الأرض؟ تقول الصحيفة: بالإضافة إلي التكلفة الدبلوماسية الكارثية والتكاليف الاقتصادية، فإنه ليس من المرجح أن تؤدي حملة القصف الجوي إلى إحداث انتكاسة خطيرة للبرنامج النووي الإيراني.
جماعة المحافظين الجدد الذين ضغطوا من أجل إقناع الرئيس بوش بشن الهجوم على العراق يقرون بأن قصفاً جوياً طويل المدى على إيران سيكون ضرورياً، لكن حتى في هذه الحالة فإن التدمير لن يؤدي إلا إلى تأخير البرنامج الإيراني لبضع سنين، ومع ذلك فإنهم يستحثون الرئيس على إعطاء الضوء الأخضر لهذا الهجوم.
وإذا كانت هذه مخاطرة خاسرة سلفاً، فإن المحافظين الجدد يراهنون أيضاً على وهم من نوع آخر. فهم يرون أن الهجمات الجوية الأميركية ستؤدي إلى اشتعال انتفاضة شعبية داخل إيران ضد القيادات الدينية الحاكمة. وهنا نتساءل: هل يعيد التاريخ نفسه.. إذا اعتبرنا الغزو الأميركي تاريخاً؟
ذلك أن الشخصيات التي أقنعت الرئيس بوش بالأمس بأن الشعب العراقي سيخرج لملاقاة الجنود الأميركيين للترحيب بهم بالورد، هم أنفسهم الذين ينصحون الرئيس الآن بشن غزو على إيران. تقول تربيون: أجل، إن هناك أعداداً كبيرة من الإيرانيين يعارضون النظام الحاكم. ولكن ما ان تتساقط القنابل الأميركية على إيران حتى يصبح الرئيس أحمدي نجاد وصحبه أبطالاً وطنيين في نظر كافة فئات الشعب الإيراني.
هذا إذا لم نضع في الاعتبار رد فعل عالمياً معادياً للولايات المتحدة، جنباً إلى جنب مع ما يمكن أن يحدث للقوات الأميركية في العراق في ظل حكومة شيعية موالية لطهران، بالإضافة إلى تحرك قوات «حزب الله» اللبناني ضد إسرائيل. ولكن يبقى السؤال الأهم: لماذا يبقى فكر بوش مرتهناً إلى عصابة من أعضاء يهود «المحافظين الجدد» يرتبط ولاؤها بالأجندة الإسرائيلية أكثر مما يرتبط باعتبارات الأمن القومي للولايات المتحدة؟