مع إعلان الرئيس برويز مشرف، لحالة الطوارئ، تكون الأزمة السياسية في باكستان قد دخلت في طور مفتوح على المزيد من الانسداد وبالتالي على المزيد من التوتر والبلبلة؛ إذا لم تكن الفوضى. فبعد أيام من التردد والتسريبات المتضاربة، حول هذه الخطوة، حسم الجنرال الأمر واتخذ قراره، الذي قضى بوقف العمل بالدستور وبتعطيل البرلمان؛ مع الإطاحة برئيس القضاة وتعيين بديل له.
الحيثيات التي سردها تراوحت بين القول بأن سيادة البلد باتت على المحك، بسبب العصيان والعنف واعتداءات المتطرفين الإسلاميين؛ وبين اتهامه للقضاء بـ «التدخل في الشؤون العامة» وبما «يشل عمل الحكومة» في محاربتها للإرهاب»، القرار صدر عنه بصفته قائداً للجيش، يعني غير قابل للإلغاء من المحاكم.
القراءات المختلفة لهذا التدبير غير الاعتيادي والمحفوف بكافة أشكال المخاطر تتقاطع عند أن الجنرال استبق به قرار المحكمة العليا، في شأن قانونية ترشيحه وفوزه بانتخابات الرئاسة؛ قبل أسابيع قليلة؛ والذي تردد أنه كان على وشك الصدور ضده. لكن مهما كان الأمر فإن المعروف والذي لا جدال فيه أن هذه الخطوة ـ القفزة ـ جاءت على خلفية وضع سياسي مأزوم من كافة جوانبه: عنف متفاقم، قبلي وطائفي وأصولي؛ واحتدام المواجهات بين الجيش وبين المتشددين في المناطق القبلية المستعصية، وتزايد محاولات الاغتيال السياسي.
بموازاة ذلك تعثرت محاولات النظام لإقامة تحالفات مع بعض خصومه؛ فكان أن اشتدت حالة الفرز وبالتالي حالة العزلة على الحكومة، ثم جاء ترشيح الجنرال للرئاسة قبل أن يتخلى عن منصبه العسكري؛ لتشكل على ما بدا القشة التي قصمت ظهر البعير.
قد يكون لجوء الرئيس مشرف إلى «الطوارئ» قد جاء نتيجة لعدم توفر خيارات أخرى أمامه، لكن ذلك، في حال وجوده، لا يلغي طابع المجازفة عن خطوته، فالوضع الداخلي هش ومشحون. حالة الطوارئ وما يرافقها من تدابير استثنائية، تهدد بزيادة صب الزيت على النار؛ إذا ما قرر كل فريق لعب كل أوراقه، على أساس أنها معركة حياة أو موت بالنسبة له، هذا فضلاً عما ينطوي عليه الطوارئ من تجميد ـ في أحسن الأحوال ـ للحياة السياسية وفي بلد مثل باكستان.
لطالما تعثرت فيه العملية الديمقراطية بسبب ما عصف به من انقلابات وحروب خارجية، وهو تجميد مديد بحكم أن حالات الطوارئ غالباً ما تبقى قائمة لفترة طويلة، وباكستان نفسها لديها تجربة سابقة امتدت لأكثر من ربع قرن منذ مجيء الرئيس الجنرال محمد أيوب خان عام 1958 وحتى عام 1985، أواخر عهد الرئيس ضياء الحق.
شطحة زمنية مهمة ساهمت ليس فقط في إعاقة تطور الحياة الدستورية الباكستانية، بل أيضاً في زيادة تأزيمها وتركها رهينة للتجاذب بين صندوق الاقتراع والبزة العسكرية. وها هي التجربة ذاتها تتكرر وفي ظروف أشد حساسية من السابق. بل أكثر خطورة، لدخول سلاح التطرف على الخط. ثم إن اليوم باكستان هي غير ما كانته بالأمس؛ لناحية أنها بلد نووي واحتدام الصراعات في ساحته بوجود ترسانة من هذا السلاح، يزيد من المخاوف؛ على الرغم من كل صمامات الأمان المفترض وجودها، على هذا الصعيد.
اللحظة الباكستانية الراهنة دقيقة وحرجة. الدخول في نفق «الطوارئ» يدعو إلى الخشية؛ إلا إذا تحولت الخطوة إلى نوع من الصدمة، فتحمل كافة الأطراف على إعادة حساباتهم والعمل على عدم دفع البلد نحو حافة الهاوية.
