ما هي الغاية من حالات الاستفزاز بين المغرب وأسبانيا، وهل عمليات التسخين السياسي جاءت من خلال منافسات أوروبية، مثل توقيع الاتفاقات الجديدة بين فرنسا، والرباط بتوسيع ميناء طنجة الذي فسرته أسبانيا على أنه سيأخذ حصة ميناء سبتة ومليلية، أم أن الغاية ، كما هي عادةً، بروز الاتهامات البعيدة عن الواقع، أن الجزائر طرف في تحريك هذه القضايا وخاصة إعلان المدينتين المغربيتين سبتة ومليلية، بأنهما أسبانيتان للضغط من أجل قضية الصحراء التي لا تزال موضع نزاع مغربي - جزائري؟
أسبانيا حذرة دائماً فيما يتعلق بعلاقاتها العربية، إذ ظلت طوال حياة (فرانكو) داعمة ومؤيدة للعرب، سواء حول فلسطين أو غيرها، والخطأ الوحيد الذي تجاوز هذه التقاليد والمواقف، هواشتراكها في غزو العراق الذي جعلها، لاحقاً، هدفاً للإرهاب الذي طال مراكز حساسة في مدريد، والذي كشف مسلسلاً طويلاً استهدفها، فكانت النتيجة، زوال رئيس الوزراء السابق، وجلاء القوات من العراق والذي أغضب أمريكا وأراح أسبانيا والعرب.
الملك خوان كارلوس، رجل مصالحات وعلاقات من طراز فريد، وسواء كان ملكاً دستورياً، كالكثير من ملوك أوروبا، ليست لديه الصلاحيات في إدارة السياسة الداخلية والخارجية، فإن زيارته لسبتة ومليلية، اعتبرت خارج تصرفاته الموزونة والعاقلة، وأنه ذهب بناء على رغبة رئيس الوزراء (ثباتيرو) الذي جعل هدفه السياسي نوعاً من التحدي مع المغرب، ومن أجل رفع رصيده الانتخابي في الشهور المقبلة، وبصرف النظر عن الأهداف الظاهرة، والغايات الخفية، فإن التوقيت بإعلان ضم سبتة ومليلية إلى أسبانيا، دون مراعاة للدبلوماسية الهادئة والمرنة التي اتبعتها المغرب، أوجد شرخاً كبيراً، وقد يعطي بريطانيا حق التصرف بإعلان جبل طارق الذي تطالب باستعادته أسبانيا، كجزء من الأرض البريطانية، باستخدام نفس الذرائع.
مشكلة العرب أن نزاعات كثيرة لا تزال معلقة على حلول مجهولة، مثل خلاف سوريا مع تركيا، على لواء الاسكندرون، وجزر الإمارات مع إيران وأراض صومالية استولت عليها غينيا، وأثيوبيا، أي أن إنهاء الخصومات مع تلك الدول بالتراضي، أو التسليم بالأمر الواقع، لم يحسم بشكل لا يثير زوابع جديدة، أو اتخاذ هذه الأمور جزءاً من شعارات لم تحقق أي نتائج إيجابية، بسبب ضعف العرب، وعدم جديتهم في تحقيق مطالبهم..
في مرحلة سابقة استطاع العرب حشد قوى خارجية كبيرة، وخاصة من العالم الثالث، أو منظومة دول عدم الانحياز في تأييد قضاياهم، وكان الموقف أن هذه الأمة تطرح نزاعاتها بصورة لا خلاف عليها بينهم، لكننا في المشهد الراهن نجد أن هذه الدول منقسمة حول فلسطين، والعراق، ولبنان، ونزاع الصحراء، وحتى العلاقات مع الدول المحيطة بالمنطقة، مثل تركيا وإيران، ليس لنا استراتيجية واضحة معهما وهذا التردي، والضعف، وعدم الاكتراث، أوصلنا لأن نكون ضحايا أنفسنا، ومطمع غيرنا ومسلسل سبتة ومليلية جزء من تراكم الأزمات..
