ردود فعل واسعة أثارها في مصر المؤتمر الذي انعقد قبل أسبوعين في ولاية شيكاغو بالولايات المتحدة باسم أقباط المهجر والتوصيات التي أصدرها والتي تردد أحاديث مغلوطة عن اضطهاد الدولة للأقباط وعن جهود للأسلمة.

وغير ذلك من المزاعم التي كان أول من تصدى لها أقباط مصر، الذين تحركوا بمختلف انتماءاتهم من اليمين إلى أقصى اليسار يشجبون هذه التحركات التي تقوم بها قلة لا تمثل أقباط المهجر وتستهدف الإساءة للوطن،

ومع عدم استبعاد اختراق الأجهزة المخابراتية والمؤسسات الصهيونية لهم، وهو أمر ليس خافياً وليس وليد اليوم بل يمتد لعشرات السنين الماضية، ولعل ما كشفت عنه بعض قضايا الجاسوسية الأخيرة من استهداف إسرائيل لتجمعات أقباط بالخارج هو آخر حلقات الكشف عن ذلك، ولكن ما خفي أكبر من ذلك بكثير.

أقباط مصر في الداخل والخارج أعلنوا معارضتهم لهذه التحركات المشبوهة، وتحركوا على كافة الجبهات.. من قيادة الكنيسة وحتى المثقفين والمفكرين والمهتمين بالعمل العام لمواجهة أي آثار ضارة خاصة في مناخ شهد في الفترة الأخيرة العديد من الأحداث الطائفية في الداخل، وحملات التحريض والحديث عن جهود للتنصير أو الأسلمة من جماعات متطرفة على هذا الجانب أو ذاك، واستغلال حوادث فردية في هذا الإطار.

ولا شك أن العلاقة بين مسلمي مصر وأقباطها تستند إلى ميراث رائع من الحياة المشتركة منذ نشأة الدولة الحديثة في مصر، بل وقبل ذلك بكثير.. فأقباط مصر هم الذين وقفوا ضد الحملات الصليبية، وهم الذين رفضوا كل محاولات الاستعمار لزرع الفتنة والشقاق،

حتى جاءت ثورة 19 في مطلع القرن العشرين لترفع شعارها الخالد «وحدة الهلال مع الصليب» وبعدها رفض الأقباط ـ وحتى الآن ـ أن يكونوا أقلية وصمموا على أن يكونوا جزءاً من نسيج وطني واحد يجمعهم مع المسلمين،

ورفضوا اقتراحاً أثناء إعداد الدستور 1923 أن يكون لهم حصة في البرلمان. وفي المقابل ترسخت حقوق المشاركة وكانوا طرفاً أصيلاً وفاعلاً في الحركة الوطنية وفي الحياة السياسية، وكان منهم وزراء ورؤساء وزارات،

وكانوا يمثلون جزءاً مهماً في قيادة حزب الوفد منذ نشأته، وبعد رحيل سعد زغلول كان الرجل الثاني والأقوى في الحزب هو مكرم عبيد الذي كان واحداً من أبرز العروبيين وكان يؤكد على الدوام على انتمائه العربي وعلى انه قبطي الديانة مسلم الثقافة.

وبعد ثورة يوليو لم تواجه العلاقات بين المسلمين والأقباط أية مشكلات حقيقية في ظل مشروع وطني كان يوحد الصف، ومعارك للاستقلال والتنمية كان يخوضها الجميع وتعود خيراتها على الكل دون تفرقة وفي ظل قيادة عبدالناصر المخلصة لميراث الوطنية المصرية، ولعروبة تعلو على التعصب وتؤمن بالتعايش بين كل مكونات الوطن العربي.

لكن المشكلات بدأت بعد ذلك، ومع محاولة السادات الاستعانة بالتيارات الإسلامية في صراعه مع قوى اليسار والقوميين. ومع نمو الاتجاهات المتطرفة وتزايد الأحداث الطائفية وتصاعد الأزمة التي انتهت بأحداث سبتمبر، ثم باعتقال الجميع وتحديد إقامة البابا شنودة وتجريده من صلاحياته، ثم بعد ذلك اغتيال السادات ومحاولة بعض المتطرفين الإسلاميين الاستيلاء على الحكم.

وفي هذه الظروف المتشابكة تولى الرئيس مبارك ونجح في التصدي للموقف وتهدئة الأمور والإفراج عن السياسيين وإعادة البابا شنودة، وخلق مناخ من التهدئة استمر لفترة رغم المرور بمصاعب خاصة مع انتشار الجماعات الإسلامية المتشددة ودخولها في صراع دموي مع الدولة وارتكابها لعدة مذابح كان أبرزها مذبحة الأقصر ضد السياح الأجانب،

ومحاولتها فرض سيطرتها الكاملة على مناطق في الصعيد والأقاليم بل وفي القاهرة نفسها. هذا الصراع الذي نجحت الدولة في حسمه لصالحها بتأييد كافة التيارات السياسية وقوى المجتمع المناهضة لهذه الجماعات التي تتعارض مع كل ما عرفته مصر من تسامح وتوافق طائفي.

ولم يكن النجاح في التصدي لجماعات العنف المسلح هو نهاية المطاف. فقد سارت الأمور بعد ذلك وسط ظروف بالغة الصعوبة داخلياً وإقليمياً، ووسط مناخ يسعى فيه البعض لتأجيج الفتنة الطائفية بأي شكل، وتسود فيه المنطقة ظروف الانقسام من العراق إلى لبنان إلى فلسطين.

ويجري تعميم مخططات لتفكيك الدول وإعادة صياغتها، وترى قوى عديدة أن إضعاف مصر وانكفائها على مشكلاتها الداخلية سوف يساعدني في تمرير كثير من المخططات التي لا تتوافق مع مصالح العرب.

ورغم أحداث طائفية بين الحين والآخر، فقد نجحت مصر في المحافظة على وحدتها الوطنية، ولكن هذا لا يعني على الإطلاق أنه لا توجد مشكلات أساسية يتوجب علينا التصدي لها بمسؤولية، ولا يعني أن نستكين إلى صمود الوحدة الوطنية على مدى سنوات طويلة ونترك المشكلات الصغيرة تتفاقم، ولا يعني أن جهوداً كثيرة مطلوبة على أكثر من جبهة حتى لا نترك الفرصة لضرب أثمن ما تملكه مصر وهو وحدتها الوطنية.

ولا يعني أن نكتفي بإدانة ما يفعله بعض من يدعون التحدث باسم أقباط المهجر أو من يقفون وراءهم من أجهزة ومؤسسات أجنبية ثم لا نملك شجاعة الاعتراف بوجود مشكلات وجدية التصدي لها.

وقد تبدو مشكلة بناء الكنائس هي السبب وراء العديد من الاشتباكات التي تحدث خاصة في الريف، والحل جاهز في مشروع قانون أعددناه بالفعل في المجلس القومي لحقوق الإنسان لبناء دور العبادة، والمطلوب من الدولة أن تبادر بتبنيه وإقراره. ولكن هذا ليس إلا السبب المباشر للعديد من الصدامات التي ينجر إليها بعض البسطاء استجابة لبعض المتطرفين.

ولكن هناك قضايا أخرى ينبغي التعامل معها مثل التعيين في بعض الوظائف العليا رؤساء الجامعات والشرطة والقوات المسلحة.. وهي قضايا لا يحتاج التعامل معها إلى تغييرات قانونية، فالقوانين والدستور في مصر لا تعرف التفرقة بين المواطنين، ولكن هذه القضايا تحتاج إلى تغيير في المناخ السائد سياسياً وثقافياً واجتماعياً بعدما تعرض له من تشويه وإفساد على مدى أكثر من ثلاثين عاماً.

نعم.. هناك مناخ ينزع إلى الغلو والتطرف الديني هو في جانب منه جزء من مناخ ساد المنطقة لسنوات طويلة، وساعدت عليه التوترات الإقليمية والحملات التي بدأت بتشجيع أميركي في السبعينات لمواجهة «الكفار» في أفغانستان ثم ارتدت بعد انتهاء المهمة إلى الداخل العربي تكفرّ المجتمع وتعلن الحرب عليه.

وساعد عليه الإحساس بالظلم الذي يقع على العرب والمسلمين في فلسطين والعراق وغيرهما. وساعد عليه تراجع قوى اليسار وتحميل القوى القومية مسؤولية أخطاء نظم وحكام لضرب العروبة التي تحتضن الجميع.

وهناك مناخ من التراجع الثقافي تتحمل الأنظمة الجزء الأكبر من المسؤولية عنه، بمحاصرة المثقفين وتهميش دورهم، وبالعداء للثقافة والفكر الحر، بإغلاق أبواب الاجتهاد والإبداع، فتكون النتيجة سيادة ثقافة عذاب القبر،

وإهدار قيمة العلم والعلماء وفتح أبواب الإفتاء لكل من هب ودب، وانشغال الناس عن حاضرهم ومستقبلهم بحكايات زواج الجن، وانشغال العلماء عن قضايا الأمة الحقيقية بالإفتاء حول التبرك بالبول وجلد الصحافيين!

وهناك ظروف اقتصادية صعبة ترتفع فيها معدلات البطالة وتزداد فيها نسبة الفقراء، وفي نفس الوقت تزداد فيها الفجوة بينهم وبين الأثرياء. ويتضافر ذلك مع ظاهرة فساد لا يتم التصدي له كما ينبغي، وفقدان لتكافؤ الفرص يشيع مشاعر الظلم والسخط التي يتم استغلالها بسهولة من جانب من يزرعون التطرف ويستخدمون الدين لجذب شباب ساخط وعزله عن المجتمع وتوجيهه نحو صراع طائفي أو عداء للمجتمع كله.

وهناك ظروف سياسية هي الأخطر.. حيث الأحزاب السياسية ضعيفة الأثر إلى حد كبير، وقوة المعارضة الأساسية في مجلس الشعب هي جماعة الإخوان المسلمين (المحظورة قانوناً!!) والتي تتبنى خطاباً دينياً، وعندما أعلنت مشروع برنامج سياسي أخيراً أكدت فيه أن الرئاسة حرام على المرأة والأقباط!! والغالبية العظمى من الشعب منصرفة عن العمل السياسي، ونسبة المشاركة في الانتخابات متدنية.

وفي هذا المناخ يغيب التمثيل السليم لكل مكونات الأمة.. فالبرلمان ليس فيه إلا عدد قليل من النساء، وعدد أقل من الأقباط، والأحزاب (بمن فيها الحزب الوطني الحاكم) لا تحرض على دعم هذا التمثيل بترشيح النساء والأقباط في دوائر مضمونة، والمناخ نفسه ـ وفي ظل الثقافة السائدة ـ لا يتيح اختيار عناصر صالحة وإيصالها إلى البرلمان بغض النظر عن الجنس والدين.

وربما يكون النظام المقترح للانتخابات عن طريق القوائم النسبية هو المدخل لتصحيح هذه الأوضاع، بدلاً من تخصيص نسبة معينة للأقباط وهو الأمر الذي يرفضونه لأنه يصنفهم كأقلية بينما هم يؤكدون على انهم جزء أساسي من جماعة وطنية واحدة.

لا يكفي إذاً أن ندين ما يفعله بعض أقباط المهجر، ولا أن نعالج الأحداث الطائفية أمنياً فقط، ولا يمكن أن نغض البصر عما يجري في المنطقة من محاولات للتفكيك والتقسيم وإشاعة مناخ التناحر الطائفي.

صحيح أن الأمر يختلف في مصر، وأن الجماعة الوطنية موحدة ومتماسكة، ولكن هذا ينبغي أن يدفعنا إلى تفهم التحديات.. فهناك مشكلات ينبغي مواجهتها، وأوضاع اقتصادية وسياسية ينبغي التعامل معها، وهناك قوانين ينبغي تعديلها، لكن الأهم..

هناك ثقافة متخلفة وغريبة على مصر ينبغي التصدي لها، وهناك أوضاع سياسية تحتاج لإصلاح شامل يرسخ الديمقراطية ويعيد الحياة للأحزاب السياسية ويعلي من قيمة الحوار الوطني، ويجعل المواطن شريكاً أساسياً في الحكم.

إن مصر تملك واحدة من أكبر الجماعات الوطنية وحدة وتماسكاً وانصهاراً في العالم كله. والمهمة الأساسية أمامها أن تحمي وحدتها وأن تصون تماسكها، وان تؤكد قدراتها على مواجهة مؤامرات الأعداء وأخطاء الذات وأعباء واقع يحتاج للتغيير الشامل والإصلاح الديمقراطي الذي لا يمكن تأجيله أو الالتفاف عليه.

نقيب الصحافيين المصريين