قبل عشرين عاماً كانت وسائل الإعلام المصرية غارقة في جدل بشأن البدء في مشروع إنشاء محطات نووية لتوليد الطاقة. البعض عارض الفكرة وفي ذهنه كارثة التسرب النووي الشهير من المفاعل تشرنوبيل السوفييتي في إبريل عام 1986، والبعض الآخر كان متحمساً للقضية باعتبارها توفر مصدراً لطاقة نظيفة ومتجددة تلبي الاحتياجات المتزايدة للمصريين، فضلاً عن إحيائها للمشروع النووي المصري الذي بدأ قبل نحو ثلاثين عاماً في ذلك الوقت.
اليوم وبعد إعلان الرئيس المصري عن البدء في إنشاء أولى المحطات النووية يبدو الجدل أقل صخباً، لأن قراراً سياسياً قد حسم تردد دام سنوات طوال، وأدخل مصر في صلب الموضوع . وهو ما سيتطلب متابعة التنفيذ، وليس التشكيك في مدى جدية الفكرة، لأن المشروع يتجاوز في أهميته الخلافات الحزبية أو الفكرية الضيقة،
لأن بعض الأصوات المشككة في المشروع الآن كانت في السابق من المدافعين عن ضرورة امتلاك مصر برنامجها النووي السلمي، واللحاق بنحو أكثر من ثلاثين دولة تمتلك محطاتها النووية لتوليد الطاقة.
وأتذكر في منتصف عام 1987 أجريت وعدد من الزملاء سلسلة من التحقيقات والحوارات مع عدد كبير من المعنيين بالشأن النووي على الصعيد الرسمي والتقني، وأجمع الكل وقتها - بينهم وزير الكهرباء الراحل ماهر أباظة - على أهمية مسارعة مصر إلى دخول عصر المحطات النووية قبل فوات الأوان.
كما كان هناك إجماع أيضاً على امتلاك مصر كافة الاحتياجات الضرورية لدخول مضمار إنتاج الطاقة النووية، من علماء وباحثين وقدرات علمية ومادية، وأن العائق الوحيد لتنفيذ الفكرة هو القرار السياسي، الذي ربما كان متخوفاً من ردود فعل بعض القوى الدولية وخاصة إسرائيل التي قال لي وقتها المهندس ماهر أباظة رحمه الله إنها كانت تتخذ موقفاً معارضاً لامتلاك مصر لبرنامج نووي سلمي.
وربما يكون المناخ الدولي، رغم معركة الغرب، وتحديداً الولايات المتحدة مع البرنامج النووي الإيراني، يبدو في صالح إطلاق مصر لمشروعها النووي الذي طال انتظاره، والإسراع بتعويض ما فات من وقت لجعل المشروع واقعاً فعلياً بعد أن كان حلماً، يراود علماء الذرة في مصر.
ومن هنا يفهم الحماس الزائد الذي عبر عنه عدد كبير من الرؤساء السابقون والعاملون في هيئة الطاقة النووية المصرية، عقب إعلان الرئيس مبارك قبل أيام عن البدء في إنشاء أولى المحطات النووية،
وقد طالب هؤلاء بضرورة البدء من حيث جرى التوقف في عام 1986 وخاصة بشأن الاستقرار على مكان إنشاء المشروع في منطقة الضبعة في الصحراء الغربية المصرية، وألا نعود إلى المربع الأول من النقاش حول المكان الملائم خاصة أن اختيار الضبعة تم وقتها بناء على دراسات معمقة، وليس اختياراً عشوائياً.
إذن وبعد توفر الإرادة السياسية لإنشاء أولى المحطات النووية يجب أن يتجاوز الجدل، ما إذا كان الهدف منه أغراض انتخابية للحزب الوطني، أو لمجرد لفت الأنظار بعيداً عن قضايا أخرى تمثل ضغطاً على الواقع المصري،
لأن الأهم في هذه اللحظة الدفع باتجاه العمل في المشروع وليس تعويقه فقد واجه في السابق من العقبات والمعوقات ما يكفي، ولم يعد لدى المصريين رفاهية الانتظار أكثر من ذلك للحاق بركب تخلفوا عنه لأسباب يجب تخطيها.
هذا لا يعني إقفال باب النقاش بشأن شكل وطبيعة المحطات التي سيتم الاعتماد عليها، أو الطريقة التي ستتم بها ومدى الاستعانة بشركات أجنبية خالصة أو بمشاركة مصرية في مراحل البناء المختلفة، خاصة أن مصر لديها من الطاقات والعقول التي تنتظر مثل هذه الفرصة لإثبات حضورها وتميزها.
ويحضرني هنا ما قاله الدكتور عزت عبد العزيز رئيس هيئة الطاقة الذرية المصرية الأسبق حول ضرورة «استخدام الأجيال الجديدة من المحطات النووية، التي تتميز بأنها أكثر أماناً وأقل تكلفة».