أن تجري في سلطنة عمان انتخابات لما يطلق عليه بمجلس الشورى ليس هو الحدث بعينه في السلطنة ولا في المنطقة. فمثل هذه الانتخابات سبق لها أن نظمت على مدى السنوات السابقة في إطار خمس دورات وما شهدناه قبل أيام كانت الدورة السادسة.

كما أن مثل هذه الانتخابات وإن بصور وأشكال ونماذج وسياقات مختلفة كانت تحصل في دول الجوار العماني مبكراً أو صارت تجري مؤخراً كما في دول أخرى تماشياً مع متطلبات أو إلزامات مواكبة «العولمة» في سياقاتها بما فيه السلوك اليومي الإنساني للأفراد ناهيك عن محاكات الغرب تقريباً في كل شيء له علاقة في سلوك الدولة وهيكليتها ومضمونها!

الحدث الملفت في هذا البلد الخليجي المنفرد في صياغته وتركيبته وسياقاته هو أنك مهما غبت عنه تعود إليه لتراه كما تركته أي على «حطة إيدك» كما يقول إخواننا اللبنانيون! لا شيء يفاجئك ولا تشعر بالانقطاع،

بل العكس تماماً سرعان ما تجد نفسك متواصلاً معه، وكأنك لم تغب عنه إلا أياماً معدودات! الحدث كان إذن هو أن تستعيد التعرف على عمان كما هي من جديد عبر بوابة الانتخابات المذكورة.

فسلطنة عمان لمن لا يعرفها دولة ليست كسائر دول مجلس التعاون رغم أنها عضو مؤسس وأساسي في هذا التجمع كما أنها لا تتماهى مع أي من جيرانها في كثير من السياقات إن لم تكن تسير على طرق موازية في كثير من الأحيان، وهي البتة لا تشبه إلا نفسها في كل شيء تقريبا!

كنت في مهمة عمل أخرى غير مهمة مراقبة الانتخابات، لكن تزامن حدث الانتخابات مع وجودي هناك، فتح الباب واسعاً مع ثلة اعتز بهم من الأصدقاء العمانيين من كل صنف، لإعادة التعرف على الخصوصية العمانية التي أزعم من جديد،

فبالرغم من كون عمان أقدم دول مجلس التعاون وجوداً وتشكلاً وتأسيساً وأنها الدولة الوحيدة التي تملك ارثاً يمكن توصيفه بالإرث الإمبراطوري باعتبارها كانت بالفعل امبراطورية واسعة امتد نفوذها يوماً ليشمل الساحل الشرقي لإفريقيا من ميناء مومباسا وصولاً إلى مدغشقر وعمق القارة الإفريقية السوداء

إلا أن ذلك لم يترك أثره تجبراً أو تعالياً أو «تفاخراً» على أي من شقيقاتها الخليجيات فضلاً عن انعكاسه على سلوك الفرد العماني الذي كان باستطاعته أن يفاخر بين الأمم في امبراطوريته التاريخية تلك!

وبالرغم من أن التكون والتشكل العمانيين للدولة والمجتمع حصل في سياق طموح للغاية إلا أن هذا الطموح التاريخي لا ينعكس اليوم على ممارسات سياسات الدولة العمانية أو دبلوماسيتها أو تعاطيها مع الأحداث والوقائع في بلادها أو تلك التي من حول بلادها مطلقاً! بل على العكس تماماً تبدو وكأنها الدولة الأبسط والأكثر تواضعاً من غيرها، رغم كل ما لديها من ذرائع يمكن أن تدفع بها إلى التفاخر ومن ثم التعالي على الآخرين كما أسلفنا!

من جهة أخرى فإنه وبالرغم من أن عمان محاطة اليوم بتجارب «تنموية» عملاقة ومضطردة النمو ومتسارعة الخطى بدرجة تكاد تظهر عمان أمامها أشبه ما تكون بالدولة الفقيرة و«المتثاقلة» عن اللحاق في السياق التنموي المذكور!

إلا أنها لا تبدو وكأنها تعاني مما يمكن أن نسميه بعقدة «التخلف» عن الركب، بل على العكس تماماً تبدو مطمئنة إلى خياراتها وتعتز بتجربتها الخاصة وأقرب ما تكون إلى «الناقد» لتجارب الآخرين والقلق على سياقاتهم التي قد تكون غير مأمونة الجانب بنظر أهل عمان.

وهنا أزعم أن عمان بقيت تشكل على الدوام أقرب ما يمكن تسميته مجازاً ب«العائلة العمانية الواحدة البسيطة التركيب»، والمقصود هنا بهذا التعبير هو غياب التعقيد أو التشابك أو التشرذم أو الاصطفاف الاحتكاكي لفئات الشعب المختلفة،

فضلاً عن الاصطفاف التنافسي الحاد المترافق بالتحدي بين فئات المجتمع المختلفة والمتفاوتة، وكأن الحرب على الأبواب، كما هو حاصل في كثير من بلدان العالم العربي والإسلامي الشديدة الانبهار بالتجربة الديمقراطية الغربية!

ولذلك ترى العماني وهو يمارس التجارة أو التنمية أو السياسة، والانتخابات الأخيرة واحدة من حالات الممارسة السياسية بامتياز، فإنه وبالرغم من التشكيلات القبلية والمناطقية والفئوية التي تطبع مجتمعه مثله مثل سائر المجتمعات المجاورة له،

إلا أنه يتصرف وكأنه يمارس كل تلك النشاطات من أجل عمان الواحدة الموحدة، فهو يعمل الدعاية لشركته من بوابة عمان ويروج لمشروعه التنموي من البوابة العمانية ويقوم بحملته الانتخابية على النطاق والمستوى العماني بالرغم من أنه ليس سوى مرشح عن قبيلة أو منطقة وفي الحد الأقصى فهو يمثل المحافظة أو الولاية.

هذا هو العماني في السياسة الخارجية أيضاً، سواء في مواجهة الاستقطابات العربية ـ العربية القومية أو في الاستقطابات الأوسع نطاقاً كأن تصبح على المستوى الإقليمي فضلاً عن الاستقطابات الدولية المتشابكة والمعقدة.

فكل شيء عنده بقدر وكل شيء عنده بالتدرج والمعادلة عنده أية معادلة كانت لابد أن تكون محكومة دوماً بتوازن الأبعاد وتعادلها ومخففة للتحدي والاستقطاب المحيط بالقضية المعنية كحد أدنى، فهو يؤمن بأهمية إدارة المهمة الملقاة عليه بنجاح،

أكثر من اهتمامه بإدارة التحديات المثارة من حوله المهمة. والفرق كبير بين الاثنين إذ أن الأول يفضي إلى الإسهام في إدارة الدولة والمجتمع، في حين أن الثاني يعني الانشغال في إدارة الأزمات الناشئة عن التأثر بالاستفزازات أو الابتزازات التي عادة ما يخلقها الغير لحرف مسارات بناء الدول والمجتمعات.

إن من يعرف عمان جيداً يستطيع أن يجد الأدلة الكافية والمحكمة على ما ذهبنا إليه. فقد كان هذا موقفها من استفزاز الحرب المجنونة التي شنها صدام حسين ضد إيران وكان هذا موقفها من الغزو العراقي الأحمق الآخر ضد الكويت، كما كان هذا موقفها من الغزو الأميركي الأكثر حماقة للعراق، وكانت هذه مواقفها

ولا تزال تجاه كل الاستقطابات أو التحديات الكبرى، مسجلة بذلك رفضها القاطع للمحاور والتكتلات «الحربية» من أية جهة أتت، ورفضها كذلك لأي فكر متطرف أو متشنج أو عدواني أو استفزازي، ولا تظهر ميلها وتحسم أمرها إلا للوسطي من الأفكار والهادئ والمتوازن من المواقف، ولا تقطع «شعرة معاوية» مع أحد! ولسان حالها في كل ذلك ـ بما فيه تقويم دورتها الانتخابية الأخيرة ـ يقول كما يقول المثل العربي الشهير: «القليل المتصل خير من الكثير المنقطع».

فالانتخابات العمانية الأخيرة لم تكن النموذج الأمثل بالأكيد، لكنه ومهما قيل عن قصور أو نواقص شابت «ديمقراطيتها» وهي لا تنفي ذلك، تظل هي عمان المتصالحة مع ذاتها وبيئتها ومحيطها وغير «المستعجلة» على شيء

إلا ما تلح عليه بيئتها الداخلية وتتطلبه وحدة العائلة العمانية، غير معنية بتقليد ديمقراطية من هنا أو تنمية من هناك أو حتى اندفاع نحو سباق «حداثي» بدأ يحاصرها من كل أمثلة الجوار، ولعل في هذا القرار المبني على خصوصية عمانية

كما أشرنا يشكل صمام أمان لعمان وسط موجات أعاصير العولمة المتوحشة البشرية منها والطبيعية ومنها إعصار «جونو» الذي كانت قد واجهته السلطنة هو الآخر بطريقة متفاوتة عن سائر دول العالم، بعيداً عن أشكال العويل والصراخ والضجيج المعتمدة عادة في مثل هذه الحالات، وكفى الله العمانيين شر التقليد والتبعية أو الانبهار.

كاتب إيراني