أبومازن قال: نريد جدولاً زمنياً، وإسرائيل قالت: لا، وواشنطن قالت: لا، ومع ذلك تفضل القيادة الفلسطينية الرسمية المراهنة. المؤتمر «الدولي» الذي تنظمه إدارة بوش بمواصفات إسرائيلية لن يحرر الأراضي الفلسطينية من الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي ما لم ينعقد على خلفية مقاومة ميدانية مسلحة على الأرض تضطر شباب الجنود الإسرائيليين إلى الصراخ واللجوء إلى هواتفهم الخلوية لاستنفار الأمهات لكي يطالبن القادة بالانسحاب والتجاوب مع حقوق الشعب الفلسطيني.
عند أواخر ستينات وأوائل سبعينات القرن الماضي كان الجانب الأميركي والجانب الفيتنامي يلتقيان في جلسات تفاوضية في باريس على بعد آلاف الأميال من مسارح الاقتتال على الأراضي الفيتنامية: الفيتناميون يريدون من خلال الثورة المسلحة تحرير أراضيهم من السيطرة الأميركية والاحتلال.
والأميركيون يريدون فرض شروط تجعل من انسحابهم من فيتنام عملية شكلية، وكانت كل جلسة تفاوضية تنتهي إلى طريق مسدود مع تصلب كل من الطرفين على موقفه. وعند ذلك يحدث تصعيد ميداني، الأميركيون يستأنفون الهجمات الجوية والفيتناميون يضاعفون عمليات اصطياد الجنود الأميركيين.
وهنا تطلب واشنطن مع ازدياد معدلات مقتل جنودها استئناف التفاوض. وهكذا مع اشتداد النزيف الدموي الأميركي استسلمت واشنطن أخيراً فوقعت اتفاق سلام مع قيادة المقاومة الفيتنامية انسحبت بموجبه الولايات المتحدة من أرض فيتنام من دون أي شرط.
رئيس السلطة الفلسطينية يريد الآن المشاركة في مؤتمر لا يستطيع فيه أن يطرح شروطاً تؤدي عند نهاية المطاف إلى تحرير الأرض الفلسطينية لأنه لا يملك الورقة الميدانية التي تؤهله لفرض هذه الشروط.
السلطة الإسرائيلية تدرك هذه الحقيقة. وإدارة بوش تدركها أيضاً. بل ان واشنطن وتل أبيب تعيان أيضاً أنه ليس خلف الرئيس الفلسطيني اصطفاف وطني شامل وكامل، والأدهى والأمر أن رئيس السلطة الفلسطينية يعوق أي مسعى لتوحيد الفصائل الرئيسية بموجب رؤية مشتركة. فهو أولاً يعارض بشراسة أي تصالح مع فصيل حماس.. ويعارض ثانياً مشروعاً لعقد مؤتمر وطني يشارك فيه ممثلون عن كل الفصائل.
لقد توافقت قيادات الفصائل، باستثناء فصيل فتح ـ على عقد مؤتمر في دمشق لتوحيد الرأي. ولم يكتف رئيس السلطة الفلسطينية، وهو أيضاً رئيس فصيل فتح، بإعلان معارضته لهذا المؤتمر وبالتالي امتناع فتح عن المشاركة فيه
بل عمد أيضاً إلى إرسال مبعوثين لكي يستحثوا المسؤولين السوريين على عدم استضافة هذا التجمع الوطني، والحجة المقدمة لهذا المسعى السالب هي عذر وهمي. فقيادة السلطة الفلسطينية تقول إن من شأن هذا المؤتمر أن يؤدي إلى تعميق الانقسام الفلسطيني.
إنه منطق غريب، فإذا كان هدف فتح هو رأب الصدع بين الفصائل فإن الأجدر بها هو المشاركة في تجمع دمشق عوضاً عن مقاطعته والسعي لنسفه علماً بأنها الفصيل الأوحد الذي سيكون غائباً.
ويبقى سؤال: ماذا يفعل رئيس السلطة الفلسطينية بعد أن رفضت إدارة بوش مطلبه بوضع جدول زمني لمؤتمر «السلام». هل يقرر مقاطعة هذا المؤتمر؟ السوابق المنبثقة عن «أوسلو» تجيب عن هذا التساؤل بكلمة «لا».