السباق المحموم، في المنطقة، بين المزيد من التأزيم والتفجير وبين احتمالات الانفراج؛ أخذ مع نهاية الأسبوع، شحنة لصالح الثاني. الملفت في ذلك كان التزامن والشمول للساحات الساخنة فضلاً عن وحدة الصيغة.
زحمة من اللقاءات أدت إلى هبوط في درجة حرارة الملفات المعنية، جميعها، طبعاً هي لم تنته إلى وضع هذه الأزمات على سكة التفكيك والحل؛ من لبنان إلى طهران مروراً ببغداد وأنقرة ورام الله وانتهاء بالخرطوم. لكنها كانت بحد ذاتها وفي ضوء الأوضاع المعروفة وما تختزنه من مخاطر عاتية، نقلة مفتوحة على إمكانيات التطوير.
لا سيما وأنها تمخضت عن «توافقات» و«اتفاقات»؛ بالإضافة إلى مبادرات لكبح ما بدا أنه اندفاع نحو اللجوء إلى الخيار العسكري، إلا إذا كانت هذه اللقاءات وما تمخض عنها قد أتت من باب الحاجة إلى التقاط الأنفاس؛ قبل العودة ثانية إلى دوامة التصعيد والمواجهات؛ التي لا تزال غيومها تتجمع في الأفق.
لقاء اسطنبول بين الوزيرين الفرنسي كوشنير ونظيره السوري وليد المعلم بشأن الاستحقاق اللبناني يندرج في هذه الخانة، فهو الأول على هذا المستوى منذ 2004. والأهم، حسب دمشق، أنه انتهى على توافق حول ست نقاط؛ في خصوص هذا الملف.
وفي ذلك فتحة لا يستهان بها في جدار انتخابات الرئاسة اللبنانية، التي باتت قاب قوسين أو أدنى؛ وذلك نظراً لما لمثل هذا التطور من انعكاس إيجابي على الأزمة ومعادلاتها، صب في هذا المجرى، ما سبق ذلك من لقاء، هو أيضاً الأول من نوعه منذ أكثر من سنة، بين طرفين لبنانيين رئيسيين: عون والحريري، والذي بدا أنه ساهم في ترطيب الأجواء وبالتالي تعزيز إمكانية التلاقي حول اختيار رئيس توافقي.
حدثان مهمان على صعيد الأزمة اللبنانية. ومثل ذلك أو ما يقارب شهده الملف العراقي. مؤتمر الجوار الذي عقد في اسطنبول، نجح على ما يظهر في صب بعض الماء البارد على أزمة الحدود التركية مع شمال العراق.
على الأقل وضع العمل العسكري في حالة تجميد وحتى إشعار آخر. كما استعرض المؤتمر ولأول مرة اقتراح إنشاء سكرتارية دائمة لدول الجوار العراقي، تضطلع بمهمة التنسيق فيما بينها ووضع جداول أعمال الاجتماعات اللاحقة، الخاصة بمساعدة العراق.
الساحات الأخرى شهدت هي الأخرى، ما يشبه التناغم مع هذا المناخ. في رام الله التقى الرئيس الفلسطيني محمود عباس، مع مسؤولين في حركة حماس، ولو أنها لم تكن رسمية. وقد تناولت الأوضاع الفلسطينية.
أهميتها أنها الأولى من نوعها العلني، منذ الربيع الماضي؛ كما أنها حصلت بناء على دعوة الرئيس عباس لهؤلاء لتأدية صلاة الجمعة إلى جانبه، في رام الله، تطور نوعي يمتلك قابلية الارتقاء إلى درجة أعلى.
ولم تشأ الخرطوم أن يفوتها قطار اللقاءات من دون أن يكون لها مقعدها فيه. فقد توصل الرئيس السوداني عمر البشير إلى اتفاق مع نائبه الأول، سيلفاكير؛ حول إعادة انتشار قوات الشمال والجنوب؛ ابتداء من أول يناير المقبل الذي يتزامن مع الذكرى الثالثة لاتفاقية السلام الشامل بين الطرفين. وبذلك يكون قد تم حماية هذه الاتفاقية من أزمة جديدة؛ لاحت احتمالاتها قبل أسابيع قليلة.
حتى التصعيد المتزايد بين طهران وواشنطن حول النووي، أخذ حقنة لجم في لقاء لندن الأخير، موضوع فرض عقوبات جديدة، جرى تجميده الآن، ثلاثون من أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي رفعوا رسالة إلى الرئيس بوش يحذرونه من القيام بأي عمل عسكري ضد إيران. كما تقدمت السعودية باقتراح مشروع تخصيب لليورانيوم في الخارج ـ كونسورتيوم ـ لاقى الترحيب من جانب طهران.
طبعاً كل هذه اللقاءات وما صدر عنها، لم تنزع فتيل التفجير في أي من ملفاتها. لكنها كانت محطة فارقة جديرة بمتابعة نتائجها والارتقاء بها من خانة التوافق إلى منزلة الحوار المؤدي إلى فض الخلافات.
