تتحدث وزيرة الخارجية الأميركية الآنسة كوندوليزا رايس عن لبنان وكأنه ولاية أميركية، بل أكثر من ذلك، فلو كان كلام رايس عن لبنان قيل بحق أي ولاية أميركية لاحتج حاكم تلك الولاية بشدة وانتقد تدخلها في شؤون ولايته.

فالآنسة كوندي تعارض أي تسوية في ملف الرئاسة اللبنانية، وتعلن صراحة وقوف الإدارة الأميركية مع فريق ضد آخر في لبنان. ‏

أما الرئيس جورج بوش الذي لم يتعلم من دروس وتجارب الاخفاقات الأميركية، فإنه «تعهد» بمواصلة العمل على دفع «أجندة الحرية» في أمكنة عديدة من العالم مثل لبنان والعراق والأراضي الفلسطينية وأفغانستان. ‏

ويا للمفارقة: فهذه الدول التي وعدها بوش بأجندته الخاصة تحت شعار الحرية البراق، جميعها تشهد أعمالاً إرهابية وعدم استقرار وحروباً ودماراً وانتهاكات لحقوق الإنسان وهي الدول نفسها التي تقع تحت الاحتلال الأميركي المباشر، أو غير المباشر عبر تدخلات الساسة والسفراء والقناصل في شؤونها. ‏

وما بين رفض كوندي لأي تسوية فيما يتعلق بالملف الرئاسي اللبناني، و«تعهد» بوش بأن يشمل «بعطفه» لبنان في أجندته الحرة، تظهر حقيقة التدخل الأميركي الفظ وغير الأخلاقي في شؤون لبنان الداخلية. ‏

وبغض النظر عما يجري على الساحة اللبنانية من مبادرات وتحركات ومدى جديتها في إيجاد حد أدنى من التوافق بين اللبنانيين، فإن الموقف الأميركي مسبق الصنع لا يأخذ في الاعتبار أي تحرك أو نشاط إذا لم ينسجم مع الاستراتيجية الأميركية التي ينفذها أطراف في الداخل بأوامر من الخارجية الأميركية أو عبر السفير جيفري فيلتمان. ‏

أي إن إدارة بوش لأصحابها الحصريين المحافظين الجدد ترفض رفضاً قاطعاً باتاً أي محاولة بين اللبنانيين أنفسهم لإخراج لبنان من محنته. ‏

وهذا يقودنا إلى الاعتقاد أن كل اللقاءات والمبادرات ومحاولات التوافق في لبنان محكومة بالفشل والإخفاق مسبقاً بقرار أميركي صنع أصلاً في أروقة المنظمات الصهيونية الأميركية ـ الإسرائيلية. ‏

فوحدة لبنان وأمنه واستقراره ليس في مصلحة إسرائيل، وبالتالي فإن كل ما يتعارض مع المصالح الإسرائيلية يتعارض بالضرورة مع السياسات الأميركية. ‏

المستر بوش والمسز كوندي يريدان القول: إن كل ما يقوم به اللبنانيون من محاولات لإصلاح ذات البين والاتفاق على مرشح توافقي لمنصب رئيس الجمهورية باطل وكأنه لم يكن إذا لم يأخذ موافقة واشنطن وتل أبيب. ‏

ولم يبق إلا أن يفرض السفير فيلتمان اسم المرشح الرئاسي للبنان، أكان مرشحاً توافقياً أم تقسيمياً وربما تكون إدارة بوش قد فصّلت المرشح المطلوب وفق المقاسات الإسرائيلية ـ الأميركية شاء اللبنانيون أم أبوا. ‏

لبنان في الأجندة الأميركية يجب أن يبقى عنوان عدم الاستقرار والفوضى ولا بأس إن ذهب للتقسيم وإنهاء حالة التعايش التي كان يتميز بها قبل هذا التدخل الأميركي. ‏

ممنوع التوافق في لبنان إلا إذا كان توافقاً على ما تريده واشنطن وتل أبيب، وممنوع على اللبنانيين المصالحة لأنها تضر بالمخطط الأميركي، وسيظل لبنان هذا البلد الأخضر على «أجندة الحرية» التي تحدث عنها بوش والتي يمكننا ترجمتها بلغتنا على أنها أجندة التدخلات الخارجية واستقواء بعض الداخل بالخارج على اللبنانيين، وإبقاء الأزمة مشتعلة ومرشحة إلى التصعيد إلى ما شاء الله، وليدفع اللبنانيون الثمن من استقرارهم وأمنهم ودم أبنائهم. ‏

وبعد كل هذا، كيف يوجه هذا الفريق الأميركي الاتهامات لسورية بأنها تتدخل في الشأن اللبناني؟ ‏

كيف يكذب هذا الفريق دون أدنى خجل ويحاول تحميل سورية سبب الكوارث التي تفتعلها إدارة بوش والمحافظون الجدد في لبنان والمنطقة عموماً؟!. ‏

حقاً صدق المثل: «إن لم تستح فافعل ما شئت»، وها هي إدارة لا تخجل ولا تستحي لكنها لن تستطيع أن تفعل ما تشاء إلى أبد الآبدين مادام في لبنان شعب حي ومقاومة باسلة، ومادام هناك من يناضل من أجل الحرية والاستقلال والسيادة بشكل حقيقي وليس على طريقة تجار الدماء والحروب والتقسيم. ‏