تمرّ العلاقات التركية ـ الأميركية باختبار كبير، منذ رفض البرلمان التركي استعمال أراضي تركيا في عملية غزو العراق الأخيرة. فقد تبيّن وقتها للبيت الأبيض ان الحليف الموثوق، قد يتخذ من الاجراءات، وفي أوقات حرجة، ما يمكن أن يعيق مخططات الادارة الأميركية، وما يمكن أن يسبّب لها فزعا.

وها هي هذه العلاقات تمرّ باختبار جديد، بعد بروز مشكلة حزب العمّال الكردستاني الذي يعتبر شوكة في حلق بلاد الأتراك، وسلطانا. ترى تركيا انه حان وقت استئصاله والانتهاء منه، لما له من تأثير على عافية تلك البلاد التي تطمح إلى تحقيق أمنها الاستراتيجي وليس اليومي فقط حتى تستطيع أن تنكب على إدارة شأنها، وما يحتاجه ذلك الشأن من استحقاقات كثيرة وكبيرة، ومن جهد يتطلّب أولا الاستقرار السياسي والأمني.

ولا شكّ ان صبر تركيا قد نفد من هذه المشكلة، وان الحكومة التركية تجد كلّ المساندة حتى من ألدّ خصومها من القوميين الأتراك ومن قيادة الجيش، بل لعلّ هؤلاء هم الذين يطالبون حكومتهم بحسم المسألة مرّة واحدة، والانتهاء منها سريعا، فهذا صراع قومي تتواجه فيه قوميتان بالنّار، وتتقاتلان فيه بطريقة لا مجال فيها إلاّ لانتصار طرف على آخر. فهو صراع وجود وهي حرب الغاء لا تحتمل النتائج الوسط، وبالتالي هي لا تحتمل الوسائل السياسية.

لذلك، فإنه من الطبيعي جدّا ان تقوى نبرة السياسيين التّرك في رسائلهم الموجهة صوب الادارة الأميركية التي تحسب هذه الواقعة الجديدة من منطلق مصالحها أوّلا، وهي المتحالفة مع أكراد العراق، والمحتاجة لاحتياطي استراتيجي اسمه أكراد إيران، وربّما سوريا أيضا.

وفوق ذلك فإن الإدارة الأميركية تعلم حق العلم، ان حزب العمّال الكردستاني يلتقي مع أكراد العراق في أكثر من مسألة، ومن ضمنها وأولها مسألة بعث القومية الكردية ولهذا السبب فإن علاقتهما لا يمكن أن تنقطع، وان حصل فلأسباب ذاتية صرفة وتقييمات سياسية مختلفة.

أما الهدف الكبير فواحد، فحوله يلتقي الجميع، وحوله يناضل الكلّ.

وهذا سبب كاف لإقامة علاقات قوية بينهما في السرّ على وجه الخصوص، لكن رغم هذه السرية فإن الحال مكشوف كلّه، والأمور واضحة كلّ الوضوح. ليس بالنسبة لتركيا وحدها، بل بالنسبة لكلّ مراقب. لذلك فإن حدود اللّعبة هذه المرّة ضيّقة جدا.