زيارة العاهل الاسباني خوان كارلوس لجيبي سبتة ومليلية المغربيين يوم الاثنين المقبل تأتي في الزمان الخطأ، وتصب في مصلحة توتير العلاقات الطيبة والمتنامية بين البلدين، لما تنطوي عليه من طابع استفزازي للمغاربة حكومة وشعبا.

الحكومة المغربية التي يتزعمها السيد عباس الفاسي زعيم حزب الاستقلال الفائز قبل اسابيع معدودة في الانتخابات العامة، استدعت سفير المغرب في مدريد من اجل التشاور في بادرة احتجاجية، تعكس غضبها تجاه هذه الزيارة وتوقيتها.

استغراب الحكومة الاسبانية لهذه الخطوة الذي عبرت عنه السيدة ماريا تريزا فرنانديز دي لافيجا نائبة رئيس الوزراء يأتي مفاجئا، فلا بد ان هذه الحكومة تدرك جيدا حساسية هذه المسألة بالنسبة الى المغرب الذي ما زال يطالب بعودة الجيبين الى السيادة المغربية، باعتبارهما جزءا من التراب الوطني المغربي.

فاذا كانت السيدة ماريا تعتقد، كما قالت للصحافيين ان العلاقات بين مملكتي المغرب واسبانيا جيدة، وبشكل استثنائي وتستند الى مشاعر حقيقية واحترام متبادل فان السؤال الذي يطرح نفسه بالحاح هو عن اسباب اقدام حكومتها على خطوات، يراها الطرف المغربي استفزازية، يمكن ان تعكر صفو هذه العلاقات الودية والجيدة.

فالمغرب لم يتخل مطلقا عن حقه في مدينتي سبتة ومليلية، ويرى انهما جزء اصيل من التراب المغربي، وسكانهما ما زالوا يتمسكون بالهوية المغربية، ويتحدثون اللغة العربية، رغم محاولات الاسبنة المتواصلة منذ احتلالهما قبل اربعمئة عام تقريبا.

الحكومات المغربية المتعاقبة تصرفت طوال العقود الماضية بطريقة حضارية، ورفضت ان تستخدم او تشجع العنف والاعمال المسلحة لاستعادة المدينتين، وكان بامكانها ان تفعل ذلك اسوة بدول وشعوب اخرى مارست النهج نفسه، ولكنها آمنت بالحوار وسياسات حسن الجوار، وتقديم مبدأ التعاون على العداء والمواجهة المسلحة.

وكان من المفترض ان يحظى هذا النهج السلمي الحضاري المغربي بالتقدير والاحترام من جانب الحكومة والاسرة الاسبانية الحاكمة، وليس العكس تماما مثلما نرى في الزيارة الملكية المرتقبة.

العلاقات الجيدة المبنية على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة تصب في خدمة البلدين، فالمغرب بحاجة ماسة الى الاستثمارات الاسبانية والدخول الى الاتحاد الاوروبي عبر بوابة مدريد، حيث معاهدات الافضلية التجارية والعوائد السياحية والاسواق الانسب لصادراته، وفي المقابل تحتاج اسبانيا الى تعاون المغرب لمواجهة موجات الهجرة غير الشرعية، واحتمالات الارهاب والعنف المتزايدة، والتي كان آخرها مقتل حوالي مئتي اسباني في تفجيرات قطارات مدريد، وكان معظم المتورطين فيها من اصول مغربية.

الخطوة الاسبانية يمكن ان تؤدي الى نتائج سلبية على تعاون المغرب في هذين المجالين الحساسين لاسبانيا على وجه الخصوص، فيكفي ان تقلص الحكومة المغربية، او تتعامل بلا مبالاة تجاه زحف المهاجرين الافارقة، بل والمغاربة انفسهم نحو اسبانيا بقواربهم المتهالكة، حيث عصابات المهربين تنتظر هذه الفرصة، لتكثيف جهودها في هذا الميدان.

اسبانيا التي ما زالت تطالب باسترجاع جبل طارق وهو صخرة قاحلة، بلا اي موارد، وتضغط على الحكومة البريطانية في هذا الصدد رغم الشراكة بينهما في اطار الاتحاد الاوروبي، يجب ان تتفهم مطالبة جارها المغرب في المدينتين، باعتبارها حقا مشروعا، وتترجم هذا التفهم على شكل تجنب الاقدام على اي خطوات استفزازية، تثير الفتنة، وتحرك مواجع الكرامة الوطنية، ريثما يتم التوصل الى حل مقبول لجميع الاطراف حول هذا الملف، وبالطرق الدبلوماسية، وفي اطار حسن الجوار.