منذ سنوات قليلة كتب الروائي اللبناني الفرنسي أمين معلوف كتاباً وضح فيه علاقته بعروبته كلبناني وبوطنه وجنسيته الجديدة أو الطارئة الفرنسية، وسمى ذلك الكتاب «الهويات القاتلة» جاء فيه حديث مطول حول ضرورة الفصل بين الهوية كانتماء عاطفي والهوية كانتماء حقيقي واقعي، ولقد أكد أمين معلوف على لبنانيته وقدرته على الانتماء إليها وعلى فرنسيته وبخاصة في التعايش معها دون أدنى تضارب أو مواجهة، لأن التضارب في الانتماء للهويات الثنائية لا يقود إلا لمشاريع القتل والتدمير والتطرف.

الإشكالية التي عرضها أمين معلوف كتجربة شخصية وكتجربة إنسانية لجماهير كبيرة من المهاجرين العرب وغير العرب تختلف تماماً عن تجربة الهوية وتحدياتها في دول الخليج عامة وفي دولة الإمارات على وجه الخصوص، ذلك لأن الهوية هنا لا تتضارب مع بعضها بحيث تقود المنتمين إليها لتهديد مجتمعهم أو أنفسهم تحت وطأة مشاعر ضاغطة.

كما يحدث للمغاربة مثلاً في فرنسا، لكن الهوية في الإمارات تتضاءل وتتناقص وتتعرض للاضمحلال اليومي تحت وطأة المهاجر والقادم والمقيم الذي استطاع في غفلة من أهل البلد وفي غيبة من القوانين والتشريعات وفي لهاث التنمية والبناء أن يتمدد في البلد وأن يفرض بحكم قوانين الواقع والطبيعة لغته وتفاصيله الثقافية وهوياته التي نجدها اليوم كمثقفين تقتلنا بشكل يومي، ما حتم على وزارة الثقافة أن تجعل اللغة العربية وهي مدماك الهوية الأول عنواناً رئيساً وكبيراً للقاء الوطني الثقافي الثاني الذي تنظمه في الأيام الأولى من شهر نوفمبر الجاري في مدينة العين وبحضور نخبة من أهل الثقافة في الإمارات.

لقد بدا الخوف واضحاً في حديث الدكتور عبدالخالق عبدالله في جلسة اللقاء الأولى، والحق فإن هذا الخوف مبرر أولاً، ومشترك بين جموع المثقفين الحاضرين ثانيا، وهو هاجس اجتماعي بات يخيم على معظم أفراد المجتمع الإماراتي المواطن ثالثاً، لأن هناك ملامح ودلائل تقود لهذا الخوف بل تعززه ما يجعل طرح الأسئلة مشروعاً خاصة ذلك السؤال حول: ما العمل؟

في الحقيقة، فإن التهوين من الأمر على خطورته ليس حلاً، والقول بأن لا شيء يهددنا ونحن في أحسن حال وان هذه العولمة التي تكتسحنا لا يد لنا في ردها ودفع خطرها هذا القول مردود عليه وغير مقبول بالمطلق، إلا إذا قبلنا وبقرار جماعي أن نكون مثل الهنود الحمر أو سكان استراليا الأصليين محاصرين في تجمعات معزولة.

هناك خطر كبير هدد الهوية وابتلعها ولا يزال، وهو مرشح للزيادة والشراسة يتمثل في خلل التركيبة السكانية وفي التساهل مع معطيات إفرازات التركيبة، وفي التعامل مع ذواتنا المحلية بقلة تقدير وإعزاز، وفي تكريس المحلي على الاتحادي، وفي وضع مقدرات وقرارات الثقافة والتعليم والتطوير وإنتاج المعرفة ووسائل الإعلام في أيد غير أبناء البلد، وإقصاء هؤلاء وتهميشهم ما جعل الهوية الإماراتية باهتة في حضورها وتجلياتها المختلفة.. فمن نحاسب؟

ayya-222@hotmail.com