ظهر الرئيس الأميركي على شاشات التلفزيون سعيداً وهو يوجه خطاباً للشعب الأميركي يبشره فيه بقراره خفض عدد قواته المرابطة في العراق استجابة لطلب قائد قواته الجنرال ديفيد بترايوس، ولم ينس التأكيد في خطابه على أهمية «إبقاء» عدد من القوات الأميركية بصفة دائمة نزولاً عند رغبة الحكومة العراقية التي يظهر أنها اقتنعت بأنها مهما دربت المزيد من عناصر الجيش والشرطة وقوات الأمن واشترت المزيد من العتاد العسكري، فإنها مع ذلك، لن يكون في مقدرتها احتواء الجماعات المسلحة الناقمة على القوات الأميركية والحكومة العراقية على السواء.
ومع أن الحكومة العراقية سارعت إلى تأييد القرار الأميركي بخفض عدد القوات لكنها في المقابل متخوفة من المستقبل المظلم الذي ينتظرها ليس على الصعيد الأمني فحسب بل على مستوى الأجندة السياسية أيضا والتي تختلف الطبقة السياسية العراقية بشأنها منذ سقوط نظام صدام حسين، فالتكتلات السياسية تحكمها الطائفية والعشائرية واختلافها نابع من رغبتها في تقسيم بعد ان كان موحدا بقوة السيف تحت عهد صدام حسين ويظهر أنه يستحيل عليه التعايش اليوم في سلام تحت قبة الديمقراطية والتعددية الحزبية.
كما أن هناك إجماعاً عربياً ودولياً على ان العراق لن يخرج من محنته الراهنة سالما حتى لو خرجت القوات الأميركية جميعها وتركت الشأن العراقي لأهله بسبب عدم نضوج الطبقة السياسية سياسيا وعدم امتلاكها لمقومات إدارة بلد له ثقل استراتيجي في لعبة التوازنات الإقليمية وأكثر من ذلك كله ان الطائفية العراقية هي سبب البلاء والفوضى السياسية العارمة والتي قد تقضي على الأخضر واليابس وتحول العراق إلى بلد تتقابل فيه الطوائف والأعراق والقوميات مثلما كان الحال عليه في يوغسلافيا.
يكفي أنه منذ أسابيع كشفت تقارير إعلامية عن مفاوضات كان أجراها ساسة أميركيون التي تراوح مكانها وذلك على الرغم من ان الإدارة الأميركية كانت ترفض سابقا أي حوار مع قادة الحزب المحل إلا أن خيبتها في زعماء الأحزاب العراقية أرغمها على اتخاذ هذه الخطوة لإنقاذ ماء وجهها بعد الانتكاسات التي منيت بها أمنيا وسياسيا وفي وقت يطالب الشعب الأميركي حكومته بغلق ملف العراق بعد أن صرفت عليه مئات المليارات من الدولارات من جيوب وأفواه المواطنين الأميركيين ودافعي الضرائب.
لقد تنفس الرئيس الأميركي بتقرير قائد قواته في العراق الذي أعطاه المسوغ لسحب عدد من قواته بعد أن حقق ما كان يصبو إليه منذ مجيئه إلى الإدارة الأميركية وهو القضاء على صدام حسين ونظامه، والأكثر من ذلك، أنه وضع قدما أميركية دائمة في العراق مثلما الحال عليه في أفغانستان، ويعني ذلك فيما يعنيه، انه نجح في إعادة ترتيب المنطقة وفق توجهات السياسة الخارجية الأميركية والتحديات الأمنية التي تواجهها في مقدمتها إيران.
فالوجود الأميركي الدائم في العراق مستقبلاً يرمي إلى احتواء إيران وإبعادها من لعب أي دور إقليمي في المنطقة، ومن المؤكد أن تخفيض عدد القوات الأميركية في المستقبل القريب سوف يقابله طلب أميركي من الحكومة العراقية لإقامة قاعدة عسكرية دائمة تضطلع بهمة مراقبة إيران وبرامجها النووية.
لقد تأكد للعالم ان هدف الرئيس الأميركي لم يكن أسلحة التدمير الشامل التي تحججت بها الإدارة الأميركية كذريعة لاحتلاله ولا صدام حسين ذاته بل إن الهدف كما بات ظاهراً للعيان يتمثل في إعادة ترتيب الوضع السياسي والأمني للمنطقة بما يحفظ مصالح الولايات المتحدة الأميركية للعشريات القادمة.
فالمنطقة سوف تتضاعف حيويتها الاستراتيجية والنفطية وتتخوف الولايات المتحدة من احتمال أن تفقد مكانتها فيها في ظل بروز مخاطر وتحديات من شأنها ان تزعزع من مكانة الولايات المتحدة، فإيران بدأت تبرز كقطب إقليمي فاعل يعمل على أن يشارك في ترتيب الوضع السياسي والأمني في المنطقة وقوى اقتصادية صاعدة كالصين واليابان ودول الاتحاد الأوروبي أرادت هي بدورها أن تشارك في إدارة النزاعات بالمنطقة فماذا يتبقى للولايات المتحدة الأميركية أمام جملة هذه التحديات؟
قد يقول قائل إن الولايات المتحدة قد ساعدت العراق على أن يصنع له مستقبلا سياسيا واعداً قائما على التعددية واحترام حقوق الإنسان والتناوب الديمقراطي على السلطة لكن الحقيقة بانت ولم تعد خافية على الرأي العام الدولي، فالولايات المتحدة قد ضمنت تدفق النفط العراقي إلى أسواقها على الأقل خمسين سنة القادمة.
فشركاتها النفطية استحوذت على مجمل الصفقات الكبرى فضلا عن أن إدارة الاستثمارات الاقتصادية سوف تكون من نصيب الشركات الأميركية مما يعني أن ما خسرته الإدارة الأميركية من خزينتها وحلفائها من الاستحواذ على أي صفقة عسكرية أو اقتصادية بل بالعكس فهي تقول إنها الوحيدة التي تتكبد الخسائر المالية والبشرية في العراق!