العامل (الموظف) الياباني لا يرى أبناءه إلا أثناء عطلة نهاية الأسبوع، ويضيف الخبر الذي نشرته بعض الصحف في منتصف السبعينيات، أنه عندما يتهيأ هذا الياباني للجلوس على طاولة الإفطار يكون أبناؤه في طريقهم إلى المدرسة، وبينما هو غارق إلى أذنيه في العمل يكونون قد سبقوه في العودة إلى البيت، فإذا ما عاد بعد الثامنة مساء وجدهم قد أووا إلى مخادعهم.

ومع أن المرأة اليابانية تؤثر عبودية الزوج وحياتها الأسرية على عبودية الوظيفة والحياة الوظيفية، وبذلك فهي تسد الكثير من الفراغ الذي يتركه، إلا أن هذا العامل (الموظف) الياباني يظل إما بطلا قوميا لتضحيته بتربية أبنائه وحياته الاجتماعية وإيثار مجتمعه بالوقت الذي يحتزّه من وقتهم، أو ضحية لسلوكيات المجتمع الصناعي وتقاليد العمل فيه.

وطبيعته التي تستلزم المحافظة على وتيرة الإنتاج دون أن تحتمل التوقف عن العمل لعدة ساعات والعودة إليه ثانية؛ وبهذا يكون هذا المجتمع النهم إلى بريق الثروة والنفوذ قد آثر نفسه بكل الوقت للإنتاج، وأعطى ظهره لكل ما هو إنساني واجتماعي وشخصي، فلم يأبه لهذا النزيف العاطفي والأخلاقي الذي يعاني منه المجتمع، وبالتالي لم يترك لهذا العامل من وقت يومه إلا ما يمكنه أن يستغله كوقت مستقطع للراحة والنوم، ليعود في اليوم التالي إلى نفس الدوامة.

إن كمية العمل وسرعة إنجازها هي التي تحول الوقت إلى عنصر مادي شديد الندرة، ولأن بيئة الأعمال هي المحرك التوربيني في أي مجتمع وهي القادرة على امتلاك الأشياء النادرة والثمينة، فالغالب أنها هي التي تستحوذ على وقت العمل المنتج وهي التي تحدد مقداره وبدايته ونهايته.

ولكن بيئة الصناعة والتجارة والأعمال بيئة ذات قيم مادية لا تقدس إلا الإنتاج والإيرادات والعوائد المالية، وليس لها روح أو ضمير أو حتى وقت كاف للتضحيات، لأنها تعتقد أن الأفراد مثل آلاتها الميكانيكية التي لا تهدأ ولا تتوقف، وأنهم بلا عواطف ولا علاقات اجتماعية ويجب أن يظلوا في حركة متواصلة لا تهدأ ولا تتوقف.

وبذلك فإن بيئة الأعمال تنظر إلى الأشياء بعين واحدة، وهذا ما يفقدها التعقل والسيطرة على الحدود المحتملة لطموحاتها، فتعتدي على حصة المجتمع من الوقت لتستقطع منه ما تضيفه إلى حصتها، وتتركه يتسول من الوقت ما يسد به الرمق ليحافظ على علاقات أفراده الإنسانية وممارسة متطلبات حياتهم الخاصة بشق الأنفس، أما أول ما يقع من الضحايا ويدفع ثمن تلك الأنانية فهي الأسرة ثم المرأة العاملة، ولأنه لا يوجد سقف أعلى لطموحات بيئة الأعمال.

ويمتد وطنها بامتداد سطح الأرض، فإنها دائما ما تتحجج في تحكمها بتوقيت مواعيد العمل بالارتباط بالأسواق العالمية (التي لا تخرج في الغالب عن بعض المعاملات المصرفية والصفقات مع أسواق المال وبعض اتصالات العمل التي قد تستلزم أن تكون مباشرة)، مع أن تزامن أوقات العمل في العالم بأسره هي المستحيل بعينه.

إلا أن تعمل بعض الدول في الوقت المفضل وتعمل أخرى في الوقت الرديء، أو أن تضطر جميعها إلى العمل على مدى 24 ساعة في اليوم بلا توقف، ولأنها مشكلة وليست معضلة فقد تغلبت عليها المجتمعات بإسناد مهام الاتصال بموظفين محددين يعملون في الأوقات التي تتزامن مع أوقات العمل في تلك الأسواق، دون أن يدفع ضريبتها كل العاملين بمن فيهم أولئك الذين لا علاقة لهم بهذه المشكلة.

فيعملون في ساعات معينة أو لساعات إضافية من الوقت تكون على حساب حياتهم الخاصة أو نشاطهم الاجتماعي، كما أن تطور تقنيات الوسائل الالكترونية أراحت البشر من الكثير من عنائها، بل إن مؤسسات عملاقة في بعض الدول كالمطارات الدولية لا يتم تشغيلها على مدار اليوم، بل تتوقف عن العمل لأسباب تتعلق بحماية مجتمعاتها من الضجيج وحاجة أفرادها إلى التوقف عن العمل للراحة والهدوء ونشاطهم الاجتماعي.

وعلى ذلك، فإن الوقت المنتج ليس الوقت الذي يستغل في إنتاج أكبر كمية ممكنة من السلع والخدمات، لأنه سيكون إنتاجا ناقصا واستغلالا فاشلا أو غير نموذجي للوقت، مقارنة بالوقت المنتج الذي يُستغل في إنتاج أكبر كمية ممكنة من السلع والخدمات، وأيضاً في إنتاج أكبر كمية ممكنة من حاجات المجتمع وحاجات أفراده.

يجب على مصمم وقت العمل إذن أن ينتبه إلى حجم الأضرار التراكمية التي ستُدفع على المدى البعيد ثمنا للسلبيات التي يمكنها تحويل المكاسب المتوقعة من زيادة ساعات العمل، أو من عدم مراعاة خصوصيات المجتمع في تحديد نطاق وقت العمل المنتج، إلى عدد هائل من الأضرار أو الخسائر أو التكاليف غير المنظورة التي عادة ما يدفعها المجتمع من رصيده الشخصي، أو أن ثمنها يُسحب من جيب العامل ويوضع في جيب رجل الأعمال.

إن تصميم أوقات العمل يجب أن يتأثر بقواعد وقوانين ديناميكية الوقت لإيجاد نوع من التوازن والانسيابية الأقرب إلى المثالية بين استغلال الوقت في إنجاز كمية العمل، وأيضاً في اقتناص المصالح الأخرى التي فورا ما تفقد أهميتها ويفقد المجتمع تأثيراتها الإيجابية عليه إذا لم تحجز لها شريحة مناسبة من الوقت؛ ومن ثَم فإن المحددات المستخدمة في تصميم أوقات العمل يجب أن تكون ذكية ومبررة ولها انعكاساتها على قضايا المجتمع الاستراتيجية والمصيرية.

كمعدلات النمو الاقتصادي وكمية العمل وحجم الإنتاج الذي يصل بالاقتصاد إلى مستويات الكفاية والرفاهية والحياة الكريمة لأفراده، وهذا يستدعي الاهتمام برفع معدلات الإنتاجية عند العامل (الموظف) وليس بكمية وقت العمل وحدها، كما يستدعي البحث عن حلول أو معالجات عملية لآثار الإشكاليات الإدارية والاقتصادية والاجتماعية وسلبياتها المتولدة من تحديد إطار الوقت المنتج وليس إهمالها، إلى أن تصل إلى الحد الذي يكون المجتمع مستعدا عنده لاقتراف التضحية.

في الغالب يدفع المجتمع ثمن وقت العمل السيئ في صورة تكلفة باهظة للخدمات المجتمعية المرتبطة بالنشاط والإنتاج، وإهلاكا أسرع لأصول بنيته التحتية، وتفكيكا للروابط والعلاقات الاجتماعية والإنسانية بين أفراده لأنهم لا يجدون خارج أوقات العمل وقتا كافيا يستغلونه في أداء الالتزامات والواجبات الاجتماعية.

وهذه التراجيديا الاجتماعية تبلغ ذروتها عندما لا يجد الأبوان (كالعامل الياباني) وقتا لتربية أبنائهم ومتابعة أدائهم الدراسي أو مشاركتهم مشاكلهم وهمومهم، أو عندما تنفجر مشاكلهم الزوجية الناتجة عن تعارض أوقات العمل بينهما، بل قد يتطور الأمر إلى ارتكاب الجرائم الأخلاقية التي تكلف المجتمع ثمن تعقبها وترصُّدها وتطبيق العقوبات على مرتكبيها.

إن مأساة وقت العمل الذي يستغرق معظم ساعات اليوم تكمن في المفارقة التي تقع فيها بيئة الأعمال عندما تلجأ إلى إسناد كمية أكبر من العمل أو مجموعة أكبر من المهام والمناصب المتنوعة للشخص الواحد لاختصار التكاليف أو للاعتقاد بأنه إنسان خارق القدرات والمواهب، فتقع في فخ تقصير العمر الافتراضي لرأس المال البشري المستثمر بتعريضه للضغوط النفسية والعصبية الناشئة عن زيادة التحميل الذهني والبدني الذي يصيب العامل (الموظف) بالإرهاق والتوتر وتشتت التركيز وتدني معدلات الإنتاجية.

وأيضاً في حرمان المجتمع من فائض الطاقات الكامنة لدى العامل عندما يجد فائضا من الوقت يمكنه أن يخصصه للهواية أو الثقافة الشخصية أو ربما الترفيه أو ممارسة الرياضة أو العمل التطوعي وغيرها من النشاطات التي يتحول عائدها الاجتماعي والنفسي في نهاية الأمر إلى قيمة اقتصادية يضيفها المجتمع إلى رصيده في النمو الاقتصادي.

إنه من المؤسف حقا أن المجتمعات الإسلامية على كثرتها وتعدد ثقافاتها ومستويات تطورها التعليمي والاقتصادي لم تتميز إلى الآن بتصميم تجربة خاصة أو رسم سياسة متميزة لأوقات العمل في المجتمع المسلم، تراعي خصوصياته التي تميزه عن سائر المجتمعات وتراعي في الوقت نفسه حجم العمل الذي يؤهله للحاق بالمجتمعات المتقدمة، دون الانزلاق في مستنقع الأضرار والسلبيات، حتى يستمتع المجتمع بروابطه الاجتماعية.

ويستحضر عبق تراثه وثقافته، وحتى يجد الإنسان بيئة يمارس فيها كل أشكال حياته، كأب وكزوج وكصديق وكجار وكموظف وكطالب علم وكمتعبد وكرياضي وكمثقف وكمتسوّق، وأيضاً كمتأمل للوجود في حمرة الشفق الحزين على الشمس وهي تخرّ دمعة على وجْنة الأفق.

كاتب إماراتي