لا شك أن الوضع المتأزم الذي يشهده إقليم كردستان في شمال العراق اليوم ليس وليد الساعة، فهذه البقعة من الأرض ما فتئت تلتهب بين الفينة والأخرى منذ أن قامت الدول الاستعمارية بتقاسم الدولة العثمانية بالشكل الذي يخدم مصالحها ودون كثير اعتبار لطموحات شعوبها، وكانت النتيجة أن تفرق الأكراد كأقلية بين أربعة بلدان فضاعت فرصتهم في بناء دولتهم وفشلت كل محاولاتهم في الاستقلال.

ولا شك أن المشهد العراقي الجديد يعيد للقضية الكردية زخمها، فقد تغيرت الأوضاع حينما كان أكراد العراق يتمتعون بحكم ذاتي محدود، ومنذ عام 1991 يمكن القول إن هناك دويلة كردية غير معلنة رسميا على أرض العراق، وهي بحكم الواقع خارجة عن سلطة حكومة بغداد.

بالإضافة إلى كونها محمية من قبل الاحتلال الأميركي الذي يعتبر قادتها السياسيين حلفاءه الرئيسيين في العراق، ومن الواضح ان حزب العمال الكردستاني الذي يركز نشاطاته في تركيا يستخدم هذا الإقليم مواقع خلفية لعملياته العسكرية، في حين تتخوف تركيا أن تشاء تطورات الأحداث إلى جعل التوجهات الأميركية تمضي في سياسة تقسيم العراق وانفصال إقليم كردستان وحصوله إلى حقول كركوك الغنية بالنفط، مما يقوي مطالب أكراد تركيا ويهدد وحدتها واستقرارها.

وتشعر الولايات المتحدة بنوع من الإحراج تجاه هذه التطورات، فالصراعات الدائرة حاليا تطال حلفاءها في المنطقة. فهناك تركيا العضو في الناتو والحليف الاستراتيجي وذات الوزن المهم في مواجهة إيران والجار ذا الأهمية اللوجستية للقوات الأميركية في العراق حسب تعبير وزير الدفاع الأميركي غيتس.

كما أنه لا يمكن التهاون بمدى قدرة هذا الجار على إلحاق أضرار بمهمات الجيش الأميركي في حال إغلاق حدوده، وسبق أن صوت برلمانه في 1 مارس 2003، ضد نفاذ القوات الأميركية الغازية عبر أراضيه. ثم هناك العلاقات الجيدة التي تربطهم بالمسؤولين الأكراد في إقليم كردستان والذي يتغنون به كمثال حي عن نجاحهم في إيجاد مناطق أمنية مستقرة في العراق.

والحال انه في الوقت الذي تريد تركيا من الولايات المتحدة ان تهتم بحزب العمال الكردستاني في إقليم كردستان، فإن الولايات المتحدة غير مستعدة للاشتباك مع حليفها الوحيد في العراق أي الأكراد أو زيادة من يكنون لها العداء.

وكان قائد أركان الجيش التركي بايوكنيت قد حث الحكومة التركية حتى قبل الانتخابات التركية لإعطائه الضوء الأخضر للتعامل مع حزب العمال الكردستاني ودعا إلى قرار سياسي من البرلمان للقيام بدوره في تشريع هذه المهمة، مما يشير إلى أن الاستعدادات قد اتخذت منذ زمن وان قيام الجيش التركي بعملية عسكرية ضد القواعد الخلفية للمتمردين الأكراد في شمال العراق قائم خصوصا وأن الوقائع على الأرض تشير إلى ذلك مع وصول الحشود العسكرية التركية على الحدود إلى 100 ألف جندي.

والتخوف هو في أن تزداد الأمور تعقيدا إذ أن هذه السياسة الخارجية لتركيا تجري في ظل تصعيد في السياسة الداخلية تغذيه مزايدات وطنية بين القوات العسكرية وحزب العدالة والتنمية الذي حقق فوزا ساحقا في مواجهة تيارات قومية شوفينية تركية والمؤسسة العسكرية التي شككت بمواقفه المهادنة من القضية التركية باستمرار.

كما أنها تجري على خلفية فتح أبواب التصويت على تعديلات في الدستور. ومن الواضح أن الحكومة التركية تنتظر موقف الولايات المتحدة الأميركية والذي على ما يبدو حسم باتجاه مساعدة الجيش التركي لوجستيا بتحديد مواقع حزب العمال الكردستاني، علما أن الزعيم الكردي مسعود البارزاني حمل الاحتلال الاميركي مسؤولية حماية السكان.

فهل ستقف الأمور عند هذا الحد؟ تراود المحللين شكوك بشأن حرب تركيا ضد العمال الكردستاني بأن له أبعادا أوسع من ذلك وهذه الشكوك عززها رفضها للنداءات المتكررة من الولايات المتحدة والعراق والدول المجاورة لعدم اجتياز الحدود وفشل المحادثات مع الحكومة العراقية، حيث هناك من يؤكد أن لتركيا مطالب في مؤتمر دول الجوار العراقي في اسطنبول، وحتى يصل البعض إلى الحديث عن صفقة مقابل مساعدة تركيا للولايات المتحدة الأميركية ضد إيران.

لم يعد الحديث اليوم عن الاحتلال، بل عن مستقبل العراق ومن سيحكمه. ولا شك أن للولايات المتحدة دورا بالشؤون الكردية في العراق لكن تجربتها مع الأكراد غالبا ما كانت تنتهي بالكارثة على طموحاتهم القومية، والمحزن أن الشعب العربي في هذه الأيام في بعض فئاته معاد لإقليم كردستان الذي ينظر إليه على انه قاعدة أميركية.

وفي ظل هذه الأوضاع، يبدو مألوفا القول إن السياسة الأميركية في المنطقة باتت تخلق أوضاعا متأزمة لا يمكن التكهن بعقباها لها ولبلدان المنطقة بعد أن فتح الباب واسعا أمام الصراعات الأثينية والمذهبية والتي تنبئ بانفجاريات عابرة للحدود، بالإضافة إلى كون إحتلالها للعراق يسبب مآسي للشعب العراقي لا نهاية لها، وربما آخرها الحديث عن احتمال انهيار سد الموصل!