اشتهرت سويسرا أنها «النموذج الأمثل» الذي تصبو الدول إلى «الرقي» لمصافه. هكذا كانوا يصفون لبنان ذات يوم «مضى» على أنه «سويسرا الشرق» للدلالة على حضارته وتسامحه». وأراد الكثير من الأوروبيين لأوروبا الموحّدة أن تكون «صورة مكبّرة» للنموذج السويسري الغني بتنوعه والمزدهر اقتصاديا والمنفتح على العالم.

سويسرا هذه أصرّت على البقاء خارج الاتحاد الأوروبي وإن كانت محاطة به من كل الجهات، بل برزت فيها مؤخرا ميول الانكفاء أكثر فأكثر على الذات والتمسك بـ«الخصوصيات».

في ظل مثل هذا الإحساس بـ «الحصار» والتخويف من أوروبا والعولمة والمهاجرين والتمازج الثقافي اقترع ما يقارب من 29 بالمئة من السويسريين أثناء الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 21 أكتوبر الماضي لصالح حزب اتحاد الوسط الديمقراطي، اليميني المحافظ المتطرف، بزعامة كريستوف بلوشير «المنقذ» الذي رفع شعار «نحو أمن أكثر».

تدل المعطيات على أن السواد الأعظم من السويسريين الذين أولوا ثقتهم لهذا الحزب إنما فعلوا ذلك باسم شعارات الانتماء القومي والسيادة الوطنية. وإنهم عامة من ذوي الأصول الاجتماعية المتواضعة والمداخيل المحدودة.

سويسرا فيها أيضا «فقراؤها» في إطار «قواعد» اللعبة الاجتماعية التي تعرفها مختلف بلدان العالم.

عرف «كريستوف بلوشير» كيف «يعزف» على مخاوف هذه الشريحة. وهي نفس النغمة المعروفة التي «عزفها» قبله جان ماري لوبن في فرنسا وأوصلته إلى الدورة الانتخابية الرئاسية الثانية (الحاسمة) عام 2002.

وهي أيضا نفس النغمة التي دفعت اليمين المتطرف إلى سدة الحكم في النمسا قبل عدة سنوات بقيادة جورج هايدر، وباسمها أيضا أصبح الأخّان كازينسكي، أحدهما رئيسا للجمهورية والآخر رئيسا للوزراء، في بولندة قبل أن يخسر حزبهما الانتخابات التشريعية التي جرت قبل حوالي أسبوعين.

دعا كريستوف بلوشير في حملته الانتخابية إلى سويسرا «أكثر سويسرية» ورفع شعار «سويسرا هي بيتي» مؤكّدا أنه في طليعة التزامات حزبه، في حالة الفوز، وضع حد نهائي لـ«الإغراء الأوروبي» فـ«مسألة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي ينبغي أن تزول من جميع الأذهان من الآن فصاعدا» حسب قوله. وكان التزامه الآخر هو «منع إمكانية اكتساب الجنسية السويسرية لغير الأوروبيين ومعارضة أن يصبح الأجانب مالكين في سويسرا».

لا بد من القول إن سويسرا، ومثل جميع البلدان الأوروبية، عرفت منذ عقود طويلة وجود قوى سياسية صغيرة «هامشية» رفعت شعارات ذات طابع عدائي حيال كل ما هو غير سويسري باسم الانتماء القومي والسيادة الوطنية.

لكن هذه هي المرة الأولى في التاريخ السويسري الحديث الذي تقيم فيها قوة سياسية كبيرة مثل حزب اتحاد الوسط الديمقراطي أطروحاتها وبرامجها الانتخابية على أساس أطروحات قومية وشوفينية معادية للأجانب.

وقد وصلت «البلاغة» العنصرية إلى قمتها عبر الإعلانات الدعائية الانتخابية لحزب اتحاد الوسط الديمقراطي التي غطّت مساحات كبيرة من الجدران واللوحات في الشوارع السويسرية وبدت فيها صورة «ثلاثة خرفان بيض» وهي تدفع «خروفا أسود» إلى خارج الأرض التي يرفرف عليها العلم السويسري.

و«بلاغة» عنصرية أخرى تبدّت في مواقف بعض ممثلي الحزب الذين أعلنوا عن رفضهم رؤية «مآذن» تنتصب في أجواء المدن السويسرية. الحديث هنا هو حيال مسألة احترام حقوق الإنسان وليس في المعتقدات.

لقد أصبح حزب بلوشير نتيجة انتخابات 21 أكتوبر الماضي هو الأكثر تمثيلا في المجلس الوطني بواقع حيازته على 62 من أصل 200 مقعد. هذا يعني أنه عزز مواقعه بالقياس إلى انتخابات 2003 التي كان قد حقق فيها أصلا فوزا كبيرا.

وبعد أن كان قد أصبح منذ بدايات القرن الحادي والعشرين إحدى القوى الأساسية في الحياة السياسية السويسرية. ولا شك أن شخصية بلوشير ،الذي يعرف كيف يلعب على عواطف الشرائح الشعبية، قد لعبت دورا مهما في صعود حزبه.

لكن الدور المتعاظم لحزب اتحاد الوسط الديمقراطي على قاعدة رفعه شعارات قومية «شوفينية» يستدعي عدة ملاحظات ووقفة للتأمل.

الملاحظة الأولى هي أن سويسرا تمثل «أمة» عمرها حوالي قرنين من الزمن دون أن تمتلك التوحيد الإداري الكامل ـ فيها 26 كانتون-. فكيف يمكن إذن لحزب سياسي يقيم برامجه الانتخابية على أيديولوجية ذات طبيعة قومية أن يفوز في الانتخابات؟ وهل هذا يعني أن «الأمة» السويسرية قد قامت أصلا على «ركائز» أخرى إنما بدأت تهتز الآن؟!

الملاحظة الثانية هي أن سويسرا هذه ذات التنوع القومي واللغوي كانت مهيأة ب«الأحرى» وقياسا إلى ما شهدته مناطق أوروبية أخرى، إلى بروز أجواء من التنافس وليس التلاحم كما يشير «مرجل البلقان المتفجر» وغيره.

لكن سويسرا هي أحد البلدان النادرة في العالم التي لم تعرف حربا منذ حوالي مئتي عام. بالتالي لم يكن التنوع القومي نقطة ضعف وإنما نقطة قوة ومصدر ثراء بالنسبة للتجربة السويسرية. ويبرز السؤال مرة أخرى عن الأسباب العميقة لبروز معطى جديد «الآن» في الحياة السياسية السويسرية يمثله صعود اليمين المتطرف ممثلا بحزب اتحاد الوسط الديمقراطي؟

الملاحظة الثالثة هي ذات طبيعة جغرافية. ولعله يمكن الدلالة على المقصود بما كتبه ذات يوم المؤرخ «وليام مارتن» وجاء فيه بالحرف: «إن سويسرا ليست تعبيرا جغرافيا وإنما سياسيا»، ثم أضاف: «واقتصاديا». فهل يمكن اعتبار النزعة القومية لدى حزب اتحاد الوسط الديمقراطي هي أيضا «تعبير سياسي واقتصادي» وإنّما مغلّف ب«قشرة» قومية ووطنية؟!

الملاحظة الرابعة تتعلق بحزب اتحاد الوسط الديمقراطي نفسه. إن تسميته ذاتها لا تدلّ على مضمونه. فهو ليس حزبا وسطيا وزعيمه كريستوف بلوشير ملياردير محافظ وهو ليس حزبا ديمقراطيا ضمن المقياس الذي لا تتواءم فيه الديمقراطية مع التطرف، أي تطرف، وبعيدا عن التسمية لم يكن هذا الحزب، في جوهره.

ومنذ تأسيسه في سنوات السبعينات المنصرمة سوى مجرد قوة سياسية صغيرة محافظة، ثم حوّله بلوشير إلى «آلة حرب» تدعو للتطرف وترفع شعارات عنصرية لم يتجرأ جان ماري لوبن، الفرنسي ولا جورج هايدر، النمساوي، رفع مثلها. وليس على صعيد السياسة فقط وإنما على صعيد المجال الاجتماعي مثل تأكيد بلوشير أن «المرأة مكانها المنزل ولا علاقة لها بالسياسة» وأطروحات أخرى كثيرة من هذا العيار.

الملاحظة الخامسة تخص المجال الأوروبي كله، وهي أن البلدان الأوروبية التي اختارت الدرب الأوروبي العريض للتوحيد ابتعدت مؤخرا عن الأطروحات ذات الطابع الشوفيني المتطرف. ففي فرنسا انهار تقريبا اليمين المتطرف وتضاءلت قوته في النمسا وخسر المعركة الانتخابية قبل أيام في بولندة. وعلى العكس تنحو البلدان التي بقيت «معزولة» نحو التشدد والعزلة أكثر، كما يدل المثال السويسري.

بكل الحالات يبقى السؤال الكبير: هل سيصبح بلوشير رئيسا للمجلس الاتحادي السويسري؟ الطريق مفتوح، كما يبدو، أمامه. لكن عواقب ذلك ستكون كبيرة بالنسبة لسويسرا خاصة في ظل العلاقات الحميمة والتداخل الكبير مع الاتحاد الأوروبي على مستوى حرية انتقال الأشخاص والمنتوجات الزراعية.

خاصة وعلى مستوى مشكلة الطاقة التي تفتقر سويسرا تماما لموادها الأولية، كما ان ثلاثة من أصل مفاعلاتها النووية الخمسة ستكون خارج الخدمة في أفق عام 2020، كما يشير الأخصائيون. ولا يخفى على احد أن الاقتصاد السويسري بحاجة إلى «الخرفان السوداء» من أجل تسييره.

كاتب سوري