منذ نهاية القرن الماضي بدا العالم يعي بصورة متفاوتة أن المعرفة أضحت العنصر المهيمن في عالمنا ولم تعد الثورة الصناعية إلا طيا منسيا لم يعد يذكر إلا في تلك الأنحاء التي بلغ التخلف فيها آخر المديات أو أن الزمن توقف فيها عنوة أو ذاتيا.
وفي ذلك الوقت كانت منطقتنا العربية واحدة من تلك المناطق التي بلغتها نذور عصر المعرفة متأخرة ومتعثرة حيث إن الإرادات السياسة رغبت في أن تبقى بلدانها في حدود وملامح الثورة الصناعية الأولى على أساس أن التنمية يجب أن تكون خطية لا لحظية، تدريجية لا صدموية لان المفاجئة والصدمة سوف تهدد استقرار الشعوب وعاداتها وتقاليدها.
وتناست معظم هذه الأنظمة أن التطور موج عارم لا يمكن صده أو تحديده، وأنها بذلك تتحول إلى عقلية السلاطين العثمانيين الذين يشبهون التطور بالشياطين والتنوير بالكفر.
عالمنا العربي زخر في مرحلة ما بالسلاطين العثمانيين ولم يقدم نموذجا حقيقيا يدل على عقلية التنوير والتطور التي يتطلبها عصر المعرفة. ونحن نتكلم عن مطلع التسعينات انتشرت الأفكار التي تشرح وتوضح بلوغ العالم الغربي الرأسمالي مرحلة الثورة المعرفية.
ومن ابرز تلك الكتابات كانت كتابات «الفن توفلر» الذي شرح في ثلاثيته المعروفة صدمة المستقبل ثم الموجة الثالثة واخيرا تحول السلطة تلك العلاقة المتفاعلة بين المعرفة والمجتمع سواء مجتمع الدولة الواحدة أو المجتمع الدولي بكل ارهاصاته الاقتصادية والسياسية والفكرية، اليوم بدأت الأدبيات الغربية تبشر ببزوغ الجيل الرابع والخامس من المعرفة أو ما أطلق علية الموجة الرابعة والخامسة وان عصر الموجة الثالثة أصلا قد تم تجاوزه بنسخ معرفية غاية في التطور تحقق سد النقص والفجوات التي شهدتها أجيال المعرفة الأولى.
وعليه ظلت عملية الدخول إلى عصر المعرفة في بلداننا العربية بطيئة وحذرة ومقترنة بلبس وسوء فهم عميق لمصطلحات ومفاهيم اعتبرها البعض مناطق محرمة يمثل الكلام فيها تجاوزا على السيادة والقيم والدين والاستقلال وكل تلك المصطلحات التعبوية التي تمثل في واقعها فوبيا الحكومات من التغيير والتطور الذي سيعني بالضرورة كشفا لعورات الإدارة السيئة والتنمية المتعثرة، بل وخوفا من أن تصطدم تلك الحكومات بالتيارات الدينية المحافظة التي للأسف هي الأخرى سايرت بعض الحكومات والأنظمة في لعبة الحفاظ على المجتمع من شياطين عصر المعرفة وكفر أساليبه.
وعلى الرغم من ان بعض الحكومات والتيارات الدينية لطالما تشنجت مع بعضها البعض في السياسيات الخارجية وأساليب الحكم إلا أنها في العداء للتطور تسايرت وانسجمت واتفقت، ..
في العموم عصر المعرفة أصبح اليوم واقعا لا يمكن الفرار منه بل ان الفرار منه سيصبح إخراجا بلا شروط من النظام الدولي الذي يتجه إلى التكتل والذي سيصبح عنوانه العريض عالم المعرفة الحرة، كما كان عالم الثورة الصناعية عنوان النظام الدولي التقليدي.
عالم المعرفة الحرة هو عبارة عن شكل التعاملات الدولية الحاكمة للقرن الحادي والعشرين وهذه التعاملات تشمل المستوى الفوقي المادي أكثر من شمولها للمستوى الفكري على اعتبار ان الانتماءات الفكرية والايديولوجيات والأديان ستظل عنوان الصراع في هذا القرن.
وبالتالي فان قمة الحداثة والتنوير التي سيصل لها عالم المعرفة الحرة في الحقيقة لن يستطيع ان يحسم مواضيع الاختلافات الفكرية والدينية والعرقية، وهذا هو موضع المفارقة في الثورة المعرفية والسبب ربما يعود إلى أن الثورة المعرفية ستطرح أفكارا غير مألوفة في تطوير العلم ومفاهيمه وربما تطوير الجنس البشري وشكل العلاقات بين البشر وكل تلك المحرمات المثيرة للجدل في مختلف الأديان والثقافات.
وبالتالي سوف تشهد البشرية نوعاً من الارتداد إلى الوعي الديني البدائي كما هو حاصل وهو رد فعل طبيعي لصدمة التطور المعرفي وعدم انتظام شكل العلاقة داخل النظام الدولي وشكل ومستوى الصراع بين الدول والذي تحول إلى الصراعات بين الحضارات والأديان والمذاهب والطوائف.
النقطة الجوهرية أن الثورة المعرفية أصبحت قدرا لابد أن نواجهه بشجاعة ومنطقية ولابد أن نتحدث فيه طويلا وإلا انتهينا إلى أن نقف عند أبواب الجدل الذي جعلنا نقف لحد الآن عند أبواب الثورة الصناعية بل ولعلنا لا نزال غير مؤهلين للدخول فيها، الثورة المعرفية تتطلب مجتمعاً معرفياً هذا المجتمع هو الذي يتحقق عن طريق:
أولا: توفّر نظام تعليمي يحقق الجودة ويمنح الفرصة للحصول على خبرات تعليمية تلبي الاحتياجات الآنية والمستقبلية لدفع عجلة التنمية الشاملة في العالم العربي. فلم يعد كافيا أن يعتمد التعليم على نقل الخبرة من المعلمين إلى الأجيال القادمة لأنّ المستقبل يحمل الكثير من التحديات، لذلك من الضروري أن نسلح أبناءنا بالقدرات التي تمكنهم من التعامل مع مشاكل وسيناريوهات لم نعاصرها ولم نتعامل معها ولم نتخيل إمكانية حدوثها.
ثانيا: إشراك الجماهير في اتخاذ القرارات بطريقة رشيدة وعقلانية أي مبنية على استعمال المعلومة، وهذا بطبيعة الحال لا يحدث إلا بتوسيع حرية تداول المعلومات وتوفير مناخ سياسي مبني على الديمقراطية والعدالة والمساواة وإقحام الجماهير في عملية اتخاذ القرار والمشاركة السياسية الفعالة.
إنّ مجتمع المعرفة لا يقتصر على إنتاج المعلومة وتداولها، وإنما يحتاج إلى ثقافة تقيّم وتحترم من ينتج هذه المعلومة ويستغلها في المجال الصحيح، مما يتطلب إيجاد محيط ثقافي واجتماعي وسياسي يؤمن بالمعرفة ودورها في الحياة اليومية للمجتمع.
ثالثا: تقوية الوعي الديني لدى الفرد بالشكل الذي يعيد فهم العلاقة بين الإنسان وروح الدين وهو ذات الوعي الذي كان سائدا أيام الإمبراطورية العربية الإسلامية والتي مكنت العالم من أن يقف إعجابا أمام أول واهم ثورة معرفية عرفتها البشرية تلك التي أطقها العرب المسلمون والذين وضعوا أسس أهم العلوم التي عرفتها البشرية مستفيدين من أفكار وتراث الديانات والحضارات الأخرى غير متقوقعين في بوتقة المسلمات المغلقة ذات الأبعاد الجامدة، فلو استطعنا أن نخلق ذات الإنسان الذي كان موجودا في زمن الدولة العربية الإسلامية لوصلنا إلى نقطة الشروع الأولى في بناء مجتمع المعرفة الحرة.
مبادرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في تقديم الدعم لبناء مجتمع المعرفة الحرة تعد من المبادرات الرائدة في عالمنا العربي أعلنت مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم المبادرة التي تعتبر الأكبر من نوعها في المنطقة العربية حيث أوقف لها سموه عشرة مليارات دولار للإنفاق من عوائدها على مشاريع وبرامج المؤسسة، وفقا لآليات ومعايير محددة ودقيقة لضمان الوصول إلى أفضل النتائج وتأكيد الخروج بالمردود الإيجابي لإفادة المنطقة العربية برمتها.
هذه المؤسسة أعلنت عن بداية الشروع في وضع القواعد العملية لإدخال الوطن العربي في عملية بناء مجتمع المعرفة وذلك من خلال الإعلان عن تنظيم مؤتمر المعرفة الأول بمشاركة 300 من رموز الفكر العربي والخبراء المتخصصين في مجالات المعرفة كافة وذلك بهدف التباحث في شأن مستقبل العمل المعرفي في المنطقة، ورصد التحديات والفرص التي تواجهه، وتحديد السبل المثلى للتعاطي مع واقع المعرفة بأسلوب موضوعي يستند إلى أسس منهجية من أجل نشر العلم والمعرفة، وتعزيز دورها في مجال التنمية الشاملة في المنطقة.
هذه المبادرات والمواقف الرائدة هي ما تحتاجه امتنا لكي تواجه الذات بحقيقة أن التغيير صار أمرا حتميا لابد للشعوب أن تتقبله ولابد للحكومات أن تسنده ومجتمع المعرفة ليس فكرة مقتصرة على العالم الغربي سوف يصدرها لنا عندما يشاء ولذلك لابد لنا من ان ننام لقرن آخر قبل أن يصل دورنا في تلقي مخرجات الغرب المتقدم، اليوم صار موقفنا من ثورة المعرفة أمرا لا جدال فيه فأما ان نكون فاعلين ومنتجين للمعرفة أو لا نكون وربما نتذكر هنا مقولة فيكتور هوجو «من الممكن مقاومة غزو الجيوش ولكن لا يمكن مقاومة فكرة حان زمانها».
كاتبة عراقية