وقع ثمانية من المسؤولين الأميركيين السابقين من بينهم اثنان من مستشاري الأمن القومي، رسالة موجهة إلى الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش حول مؤتمر السلام في الشرق الأوسط الذي بات على الأبواب هذا الشهر.
الرسالة تبدو أكثر من مناشدة حيث أنها ترسم ما يمكن اعتباره أسس الحل وبرنامجه. فالرسالة تدعو إلى إرساء أسس سلام دائم في المنطقة حيث يطالب الموقعون الرئيس بوش بأن يتعامل المؤتمر مع مضمون السلام الدائم لأن تحقيق معاهدة سلام في نوفمبر غير ممكن.
وهذا ما يستدعي من وجهة نظر موقعي الرسالة ان يركز المؤتمر على «الخطوط التي تحدد سلاما دائما يحفظ بقدسية بقرار من مجلس الأمن الدولي». (راجع نص الرسالة في «نيويورك ريفيو اوف بوكس»، على الرابط التالي:.http:»www.nybooks.com/articles/20750).
كما تدعو الرسالة في حال فشل الزعماء الفلسطينيين والإسرائيليين في التوصل إلى اتفاق، إلى قيام اللجنة الرباعية بوضع خطوط عريضة خاصة بها للحل «على أساس قراري مجلس الأمن 242 و338 واطر مبادرة كلينتون ومبادرة السلام العربية عام 2000 وخارطة الطريق 2003».
وتمضي الرسالة إلى ما هو ابعد من ذلك لتدعو إلى حل الدولتين على بناء على حدود الرابع من يونيو 1967 مع تعديلات طفيفة متبادلة وان تكون القدس عاصمة للدولتين وحل مشكلة اللاجئين «يتناسق مع حل الدولتين ويخاطب شعور اللاجئين العميق بالظلم وغياب العدالة ويوفر لهم تعويضا ماليا له معنى ومعونة لإعادة توطينهم» حسب نص الرسالة.
كما تدعو الرسالة إلى إيجاد «آليات أمنية تتعامل مع مصادر القلق الإسرائيلية وتحترم السيادة الفلسطينية».
ان شيئا من الأهمية التي تكتسبها الرسالة ترجع إلى وزن موقعيها وهم زبغينيو بريجنسكي مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس جيمي كارتر، وبرنت سكوكروفت مستشار الأمن القومي في عهد جورج بوش الاب وتوماس بيكرنغ وكيل وزارة الخارجية الأميركية السابق الذي شغل لفترة منصب سفير واشنطن في تل أبيب والسيناتور لي هاملتون عضو الكونغرس السابق والرئيس المشارك لمجموعة الدراسة عن العراق مع وزير الخارجية الأميركي الأسبق جيمس بيكر.
ويبدو أن وزن موقعي الرسالة هو ما استفز مسؤولا إسرائيليا سابقا هو ايتمار رابينوفيتش السفير الإسرائيلي الأسبق في واشنطن ورئيس الوفد الإسرائيلي في المفاوضات مع سوريا، لكي يكتب مقالا يقدح في الرسالة ومقدميها بل والمجلة التي نشرتها.
ان هجاء رابينوفيتش للرسالة ومقدميها لم يزد عن وصف موقعي الرسالة بأنهم ليسوا على صلة طيبة مع إسرائيل أو أنهم يلتقون مع طروحات اليسار الإسرائيلي ويختلفون مع إدارة جورج بوش.
فبرنت سكوكروفت حسب رابينوفيتش «معروف بعلاقته الباردة مع إسرائيل». وهنري سيغمان (احد موقعي الرسالة) الذي كان مديرا عاما للكونغرس اليهودي الأميركي «طالب وما زال يطالب بمواقف قريبة من مواقف الجناح اليساري في ميرتس». (راجع: ماذا سيحصل بعد بوش؟ ايتمار رابينوفيتش ـ «المستقبل» اللبنانية مترجما عن هآرتس ـ 31 أكتوبر).
أما غاريت ايفانز وزير الخارجية الاسترالي الأسبق أحد موقعي الرسالة أيضا، فهو حسب رابينتوفيتش «يقود منذ عقد من الزمن في مجموعة الأزمات الدولية خطا مخالفا لنهج حكومات إسرائيل وإدارة بوش». أما لي هاملتون فهو «شريك لجيمس بيكر في لجنة بيكر ـ هاميلتون التي أوصت بفتح حوار مع إيران وسوريا» حسب رابينوفيتش.
لم تسلم «نيويورك ريفيو اوف بوكس» التي نشرت الرسالة من هجاء رابينوفيتش التي وصفها بأنها «حصن الطبقة المثقفة والنخبوية والليبرالية في الولايات المتحدة» مضيفا «ومن بين الكتاب الدائمين فيها يمكن العثور على من يتموضعون على الجانب اليساري للإجماع الإسرائيلي، وفي هذه المجلة أيضا نُشر مقال المؤرخ توني جادت، الذي دعا إلى إقامة دولة ثنائية القومية في إسرائيل».
لكن رغم هذا الهجاء المتهافت، فإن لدى رابينوفيتش أسباب عميقة للقلق لأنه يقرأ الرسالة في سياق اكبر. يحدد رابينوفيتش سياقا أول للرسالة هو «المسعى المبذول لبلورة جدول الأعمال الأميركي لمرحلة ما بعد الانتخابات الرئاسية».
ومحور القلق هنا في هذا السياق حسب رابينوفيتش هو انه «بعد الانتخابات بيوم واحد ستبدأ المنافسة لإقناع الرئيس الجديد ـ أو الرئيسة ـ بأنه لا يوجد طريقة أفضل للتنصل من تركة بوش، من أحداث تغيير بعيد المدى في سياسة الولايات المتحدة الشرق أوسطية».
أما السياق الثاني فهو حسب رابينوفيتش «التآكل المتواصل لمكانة إسرائيل في الولايات المتحدة ليس في استطلاعات الرأي وجولات التصويت في الكونغرس فقط، وإنما في فقدان الخط الأخلاقي، والتغيير الذي طرأ على مكانة إسرائيل التي اعتُبرت في السابق دولة جذابة ومحقة».
ويضيف «والتعبير الصارخ على ذلك هو الصدى الذي لقيه كتاب جيمي كارتر مؤخرا وكتاب وولت وميرشهايمر الأخير حول اللوبي الإسرائيلي، الكتابان لم يوجها الانتقادات لسياسة إسرائيل فقط، بل شككا بشرعيتها.
وعلى الرغم من الانتقادات التي وجهت للكتابين، حظي الكتابان بأصداء كبيرة، والمؤلفان يظهران أمام الناس في كافة أرجاء الولايات المتحدة. ويمكن القول أن رسالة الثمانية هي حلقة اضافية في هذه السلسلة».
هكذا إذن، رغم كل نبوءات الفشل التي تسبق «مؤتمر انابوليس» هذا الشهر، فالقلق الإسرائيلي عميق وهو يختلف تماما عن دوافع القلق لدى الفلسطينيين والعرب. ومن وجهة نظر المنطق والتاريخ نفسه، فإن إمكانية تحقيق أي تقدم في المفاوضات بين المتحاربين لا تعود إلا إلى عنصر حاسم ومهم هو توازن القوى.
هنا فإن الفلسطينيون في أكثر اللحظات ضعفا في تاريخهم وهذا ما يخفض كثيرا من سقف الآمال في إمكانية تحقيق تقدم حقيقي أو اختراق في هذا المؤتمر.
لكن مع هذا سيبقى لمؤتمر انابوليس فائدة وحيدة هي مراكمة الضغط على إسرائيل ليس إلا. في المحصلة النهائية، فإن للفشل عواقب أيضا مثلما يرى كاتب إسرائيلي ذو وزن أيضا هو جدعون ليفي.
يبدأ ليفي مقالا له بعنوان «أهمية المؤتمر ولو فاشلا» بصيحة تحذير «لا تستخفوا بلقاء انابوليس». (المستقبل اللبنانية مترجما عن «هارتس» ـ 30 أكتوبر).
المبرر الوجيه لهذه الصيحة من ليفي هي ان «من شأن هذا المؤتمر أن يساهم أيضا مساهمة مهمة في تاريخ المفاوضات بين إسرائيل وبين العرب: ذلك أنه سيتضح فيه وللمرة الأولى، من الذي يتطلع إلى السلام، وبشكل خاص من الذي يهرب منه كمن يفر من النار».
فإسرائيل حسب ليفي «تسير إلى مؤتمر انابوليس كمن مسه الجان» لان إمكانية تحقيق تقدم في القضايا الجوهرية أمر مستحيل لرئيس مقيد مثل ايهود أولمرت وفي الخلاصة النهائية حسب ليفي «لم يسبق أبدا أن كان لإسرائيل هذا العدد القليل من الذرائع من أجل التملص من التقدم نحو السلام، ولم يسبق أبدا أن كانت الأجواء المحيطة مناسبة بهذا القدر من أجل التقدم».
هكذا، فإن مفردة اللحظة التاريخية المناسبة تنطبق على هذا المؤتمر بأكثر من صيغة وبأكثر من شكل وبأكثر بواعث الأمل واليأس أيضا.
كاتب بحريني