بانعقاد مؤتمر اسطنبول اليوم لدول جوار العراق، يضاف رقم جديد إلى قائمة المؤتمرات التي عقدت تحت لافتة: استقرار وأمن ووحدة العراق، دون أن تحقق شيئا على ارض الواقع المشبع بالدم ورائحة تفسخ وتعفن جثث الضحايا الأبرياء الذين يهدر دمهم بالقتل ـ على الهوية ـ وفقا لقاموس الحرب الأهلية اللبنانية البغيض.
خلافاً لسابقه في شرم الشيخ المصرية، تسيطر على مؤتمر اسطنبول اليوم أجواء الخطر الذي يعصف بحاضر العراق ومستقبله، وصدى قرع طبول الحرب في شمال العراق، حيث يتخذ مقاتلو حزب العمال الكردستاني من تلك المناطق ملاذا آمنا ونقطة انطلاق لشن الهجمات ضد الجيش التركي.
استنادا واعتمادا على نفوذ وسطوة إخوانهم الأكراد العراقيين الذين فرضوا دولتهم (الواقعية) في كردستان وأصبح لهم حكومة وبرلمان تتخطى حدود الإدارة المحلية إلى ممارسة سلطات الدولة خارجيا من قبيل تعيين قنصليات في عواصم العالم وتوقيع اتفاقيات نفط.
وقرع طبول الحرب التركية في شمال العراق ليس هو الخطر الرئيسي بل هو مجرد عرض لخطر داهم هو تقسيم العراق بعد انسحاب الاحتلال أو حتى قبل الانسحاب. فمن المعروف أن الاجتياحات العسكرية التركية مسألة قديمة بدأت مع الحصار ثم الغزو الأميركي للعراق، وفى البداية كان يتم بمباركة أميركية على سبيل المكافأة وتبادل المصالح لقاء استخدام الجيش الأميركي لقاعدة انجرليك التركية قبل الغزو.
على أن تضخيم قضية الاجتياح التركي هذه المرة لشمال العراق يرجع أساسا إلى وجود متغيرات استراتيجية طرأت على الإقليم، على رأسها بروز ملامح المخطط الأميركي الإسرائيلي لتقسيم العراق، بعد إقرار مجلس الشيوخ الأميركي في نهاية سبتمبر الماضي، لقانون (غير ملزم) لتقسيم بلاد الرافدين إلى 3 أقاليم اتّحاديّة: واحد جنوبي شيعي وثاني شمالي كردي وآخر سني في الوسط. بغالبية 72 صوتاً.
وفى السياق توافقت المصالح الأميركية الإسرائيلية على تفتيت العراق حيث اعتبر (مركز هرتسليا المتعدد الاتجاهات) وهو أشهر مراكز البحث الإسرائيلية، أنه في حال لم يسفر الاحتلال الأميركي للعراق عن تقسيمه، فإنه يمكن اعتبار الحرب فاشلة.
وعلى النقيض من التوافق الأميركي الإسرائيلي، يبرز الاختلاف التركي حيث حذر قائد الجيش التركي يسار بويوكانت من مخططات تقسيم العراق، ليس من اجل الدفاع عن وحدة العراق في ذاتها بل من زاوية مصالح الأمن القومي التركي العليا، التي ستتضرر من هذا التقسيم، ويتعرض أمنها إلى تهديدات انفصالية من المتمردين الأكراد.
وتنطلق المخاوف التركية من اعتقاد راسخ بوجود دافع قوي لدى الجيش الأميركي والمؤسسة الحاكمة بصرف النظر عن الانتماء الحزبي (جمهوري أو ديمقراطي) بتمرير مخطط التقسيم وفقا لما ورد ضمن دراسة عسكرية نشرت في المجلة العسكرية الأميركية «أرمد فورسز جورنال» وضعها الجنرال المتقاعد رالف بيترز تحت عنوان «حدود الدم»أوصى فيها بإنشاء دولة كردستان تشمل كردستان العراق وأجزاء من تركيا وإيران وسوريا وأرمينيا وأذربيجان، لتكون أكثر دولة موالية للغرب ولأميركا.
في هذا الإطار، يعقد مؤتمر اسطنبول باعتباره أول اختبار عملي للتحقق من مصداقية دول الجوار ودفاعها عن وحدة أراضي العراق واستقراره، أو لفضح استخدام هذه اللافتة كقناع زائف لتقاسم النفوذ في العراق، وحبسه في وضعية «الرجل المريض» على غرار ما جرى للدولة العثمانية في أيامها الأخيرة.
الشاهد أن العراق «المريض» الآن تحت سطوة الاحتلال ومناصريه لن يظل أسيرا وسجينا لهذا المرض العارض الذي ابتليت به دول كبرى وتعافت واستردت قرارها المستقل بعد تضحيات ونضال سنين، مثلما فعل الأميركيون والأتراك والفرنسيون وغيرهم.
المطلوب من حضور مؤتمر اسطنبول اليوم تذكر أن العراق سيبقى أمنه واستقراره ووحدة أراضيه عرضة للتهديد، طالما بقي الاحتلال بكل مآسيه السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وان الخطوة الأولى للحفاظ على أمن دول الجوار يبدأ من استعادة أمن العراق، وهذا ما كشفه الفصل قبل الأخير للتمرد الكردي واتخاذه من شمال العراق متكأ لهجماته.
