لماذا يحظى الملك عبدالله بهذا الزخم الإعلامي العالمي، حين يقف مع الحق العربي بشكل لا تردد فيه؟ أم أنه الرجل الذي نجح داخلياً وخارجياً ليحوّل الأنظار العالمية إليه باعتباره المحور السياسي المعتدل والواقعي؟
فقد كان في آسيا، وأمام زعاماتها الكبيرة في البلدان الرئيسية، رجل الخيارات الهامة بدون تهور، ولا انفعال، لأن المقاييس التي انطلق منها لا تحددها شعارات تستهلك في زمنها القصير، وإنما الفعل والتفاعل اللذان لا تحددهما هموم بلده فقط، وطالما سعى لبلورة موقف واضح من القضايا العربية والهجمة غير المبررة على الإسلام والمسلمين..
في أوروبا، وفي عواصمها الكبرى لا تجرى الحوارات على مسافات ضيقة لأن أحداث المنطقة التي ارتبطت بها عضوياً وتاريخياً دول القارة، خرجت من خطوطها الدبلوماسية البطيئة الحركة، إلى الضرورات التي تفرض أن يكون الأوروبيون على نفس المسافة من الأحداث، لأن الخطأ في اي تقدير عسكري، أو اقتصادي أو حتى التلويح بهما، قد يخلق مبررات لانفجارات كبيرة.
وهذه المرة ستتساوى الخسائر لأطراف المنطقة وأوروبا معاً، وهذه الرسالة التي حملها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله تريد التفكير جدياً بتلافي التعقيدات إلى حالات الانفراج وهذا الالتزام يعني أننا شركاء مسؤولية أمام ما تفكر به أمريكا أو تضعه في خططها التي قد تتجاوز مصالحنا جميعاً في اتخاذ أي مغامرة جديدة.
الخطوة الثانية أن شخصية الملك عبدالله التي طالما حاربت عملياً وأمنياً فكر الإرهاب وسلوكه، لا يريد أن يعطي فرصاً جديدة لتلك المنظمات بحيث تجد مبرراتها في الاستفادة من أي تغيير يجري في مسار الأحداث، وخاصة ما يفسر بأنه حرب صليبية ضد الإسلام، كما تكرر في مواقف أمريكية، وبعض الدول الأوروبية، وخاصة التي حاولت أن تجعل حرياتها طعناً بشخصية النبي الكريم وعقيدته.
لقد ذهب الملك عبدالله لبريطانيا، مدركاً أنها خط النار الساخن في قضايا المنطقة وشريك في الحروب عليها بدءاً من حرب 1956، وحتى احتلال العراق، والفارق بين الزمنين، أنها لم تعد تلك الامبراطورية المرهوبة بفعل تبدل مراكز القوى، ومؤثراتها، وهي اليوم قادرة أن تكون شريكاً سياسياً مثلما هي شريك، اقتصادي، لكن بشروط الواقع الراهن، لا بتفكير الامبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس والتي تقادم عليها الزمن، ليتحول الدولاب العالمي بمؤثراته القادمة نحو الشرق بدلاً من الغرب، أي المزاحم الآسيوي الذي ظل يعيش بياته الشتوي الطويل، ثم قفز من مرقده إلى الصفوف الأولى تقنياً واقتصادياً.
عموماً تقسيم الواجبات الذي أراده الملك عبدالله ملزماً للجميع، لا يأتي من منطق خلق النزاعات، وإنما تجاوزها، لكن بحدود ما تفرضه واجبات المصالح المشتركة، وبأن ننسى أحلام الأمس، ونخطط لخطواتنا للمستقبل واليوم الراهن، لأن المنطقة تبقى محوراً في أحداث التاريخ ومنطق اليوم، وهي إحدى الضرورات التي باستقرارها يستقر العالم..
