يدافع أصحاب الاتجاه الليبرالي في كل الدنيا عن اتجاههم بجملة براقة وعظيمة مفادها أن «الحرية هي أنجع علاج لآفات البشرية» وعلى ذلك قامت ثورات التحرر في التاريخ وعليها اعتمدت حركات المقاومة في كل مكان ماضياً وحاضراً وفي المستقبل بالتأكيد طالما بقيت هناك إشكالية استرقاق واستعباد وقمع من أي نوع.

واليوم يدافع أصحاب التوجهات الحرة في الاقتصاد أو ما يعرف باقتصاد السوق الحرة عن نهجهم مستخدمين العبارة ذاتها «الحرية أنجع علاج ضد الفقر» وهو نفس العنوان الذي صدر به مقال للدكتور «أوتوغراف لامبسدورف» وزير الاقتصاد الألماني السابق ورئيس مجلس إدارة مؤسسة فريدريس ناومان الألمانية.

فهل يعمل اقتصاد السوق الحرة فعلاً على علاج الفقر ومساعدة الفقراء على تحرير طاقاتهم البشرية الكامنة بالتعليم وتوفير الرعاية الصحية والقوانين الحامية والحافظة لحقوقهم؟

هل هذا ما يقال نظرياً أم ما يحدث على أرض الواقع؟ فإذا كانت السوق الحرة واتفاقية الجات تعالج الفقر وتدعم حظوظ الفقراء الذين تصل أعدادهم حسب إحصاءات البنك الدولي إلى أكثر من 2 .1 مليار إنسان، نصفهم تقريباً من سكان شرق آسيا، إذا كان الأمر كذلك فلماذا تتسع الفجوة باستمرار بين الأغنياء والفقراء لصالح الأغنياء؟

ولماذا تتفاقم الاختلافات بين الشمال الغني والجنوب الفقير لصالح الشمال في كل شيء، في مستويات المعيشة ودخول الأفراد ومنظومة القوانين، وحقوق الإنسان، وفرص التعليم والعمل والرعاية الصحية و...إلخ؟

لماذا يحمي الشمال المتحضر والغني منظومة الفساد في الجنوب المتخلف والفقير عن طريق دعم الأنظمة السياسية الديكتاتورية والشمولية، وعن طريق تكريس واقع مليء بالتوترات والمشاكل والقلاقل والحروب؟

في مقالته «الحرية أنجع علاج للفقر» يقول لامبسدورف: «... للفقر عواقب سياسية خطيرة، إذ إنه يكره الناس على الدخول في علاقات غير متكافئة تحد من حرياتهم، وتجعلهم عرضة للنهب على يد الآخرين، شبه مجردين من وسائل الدفاع...».

وهنا فإن السؤال يعود مجدداً حول مدى صحة نوايا أصحاب الاقتصاد الحر في توفير واقع مغاير يتيح للفقراء فرصة الحياة الكريمة والمشاركة السياسية المستقلة بعيداً عن معادلات العلاقة بين الأجير وأرباب العمل، وبين أصحاب الحقوق والشركات العابرة للقارات، التي لا هم لها سوى الاستيلاء على جهود الفقراء بأقل ثمن مقابل الحصول على أعلى مستوى استفادة؟ إذن كيف يمكن الحديث هنا عن حقوق وقانون وتعليم وعلاجات ناجحة للفقر؟

التعليم يعالج الفقر فعلاً حين يتيح للفقراء فرصاً لتطوير قدراتهم وطاقاتهم الإنتاجية، وبالتالي يحظون بفرص عمل أفضل وبموارد ودخول أحسن يستخدمونها للحصول فيما بعد على رعاية صحية واجتماعية ومعيشية تحترم إنسانيتهم، إضافة إلى تحسين حياتهم الاجتماعية وعلاقاتهم داخل أسرهم.

فحيث تنخفض معدلات الفقر تقل مظاهر التوتر الأسري، والعنف ضد الأطفال والنساء، وعمالة الأطفال و...إلخ، ذلك كله صحيح، لكن هل تعمل السوق الحرة على توفير هذا الواقع فعلاً، هل تصدر «روشتات» صندوق النقد الدولي متضمنة تنفيذها على وجه الدقة فعلاً؟

هذه أسئلة يطرحها واقع الفقر والفقراء في العالم والذين تصدر إحصاءات عالمية بخصوص تزايدهم وبوتيرة عالية سنوياً في جنوب شرق آسيا وإفريقيا وأميركا الجنوبية، أي في الجنوب الذي يبدو أن الشمال الغني الليبرالي قد حكم عليه بالفقر المؤبد لآلاف السنين، تماماً كما حكم القضاء الإسباني على الشباب المتهمين بتفجيرات مدريد بالسجن لآلاف السنين، في إشارة ذات دلالة كبيرة جداً!!

ayya-222@hotmail.com