مازال في العالم رجال شرفاء تأبى ضمائرهم الحية مجافاة الحقائق خوفا على منصب أو طمعا في أموال، أو الصمت على المظالم الدولية أو المعاناة الإنسانية التي أصبحت في معظمها نتائج للسياسات الأميركية والصهيونية الحالية التي تدفع بغبائها وأطماعها المنطقة العربية والإسلامية بل والعالم إلى المجهول!
هؤلاء الرجال تجدهم على امتداد قارات العالم، وعلى اختلاف مرجعياتهم الفكرية والسياسية والدينية، يتكلمون ويكتبون بلغات مختلفة في مواقع الرأي أو في مواقع القرار، لكنهم يتفقون في شيء واحد هو انتصارهم للقيم الأخلاقية التي تصنع الضمير الإنساني، يمكن أن تختلف عنهم أو تختلف معهم في الكثير من الأمور، لكن أحدا لا يمكن أن يختلف مع غيره في جدارتهم بالاحترام العالمي.
آخر الأصوات الدولية المحترمة هو «جون دوجارد» البروفيسور الجنوب أفريقي في القانون الدولي والمسؤول الأممي في الأراضي الفلسطينية، لم يكف صوت هذا الرجل المحترم عن كشف المظالم الصهيونية والدولية والأممية على حقوق الشعب الفلسطيني، وفي تقريره للأمم المتحدة هذا العام قارن «دوجارد» بين ممارسات إسرائيل العنصرية العدوانية على الشعب الفلسطيني والممارسات العدوانية التي مارستها الحكومة العنصرية لجنوب أفريقيا ضد شعبه قبل الحكم الوطني لمانديلا، أورد فيه دوجارد وصف «التمييز العنصري» 24 مرة عن الحالة الفلسطينية في 24 صفحة، أي أنه رأى في كل صفحة أن إسرائيل تمارس العنصرية ضد الشعب الفلسطيني.
وهذا يذكرنا بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة التي تعبر عن جميع دول العالم باعتبار «الصهيونية شكلا من أشكال العنصرية»، والذي تراجعت عنه الأمم المتحدة بعد معاهدات الصلح العربية الإسرائيلية الثلاث، إلا أن غطاء السلام المزعوم لم يمنع إسرائيل من التوسع والاستيطان والإرهاب والعنصرية على حساب الحقوق الفلسطينية، بل إنها اتخذت منه مجالا لتوسيع اعتداءاتها واستيلائها على الحقوق العربية!!
وقبل أيام قليلة كتبت هنا عن مواقف الرجل الشجاعة ضد وقوع المنظمة الدولية التي يمثلها تحت الضغط الأميركي والصهيوني، صارخا أن مجلس الأمن الدولي لا يتخذ ما يلزم من إجراءات بناء على تقاريره القانونية والإنسانية عن الاعتداءات الإسرائيلية على حقوق الإنسان الفلسطينى.
ومؤخرا ذكر «دوجارد» في مقابلة مع «بي بي سي» الدول التي تحاول إلصاق صفة الإرهاب بالمقاومين الوطنيين ضد الاحتلال الصهيوني، قائلا «إنه بالرغم من أن المقاومين قد يسمون لدى البعض إرهابيين، فإنه غالبا ما ينتهي بهم المطاف لكي يعاملوا كأبطال أو حكام لاحقا»، وقارن في هذا الصدد بين المسلحين الفلسطينيين والمقاومة الفرنسية في الحرب العالمية الثانية.
آخر المواقف الشجاعة للرجل دعا المسؤول الأممي الكبير الأمم المتحدة الانسحاب قريبا من اللجنة الرباعية المعنية بـ «خارطة الطريق» لسلام الشرق الأوسط، قائلا إن اللجنة لا تقوم بواجبها تجاه الشعب الفلسطيني، وأن الأمم المتحدة لا تصنع الكثير لصورتها باحتفاظها بعضوية الرباعية الدولية، كاشفا عن أن هذه الرباعية لا تستطيع تجاوز الضغوط الأميركية عليها ولا تحدي القيود التي تفرضها إسرائيل على الفلسطينيين، كما انتقد إلقاء اللجنة بثقلها خلف الرئيس الفلسطيني محمود عباس بدلا من سعيها لرأب الصدع بين حركتي فتح وحماس.
مواقف الرجل الأممي المحترم دوجارد تلقى الاحترام في العالم العربي، وتذكرنا بالمواقف الشجاعة لثلاثة من الرجال العرب المصريين الذين شغلوا في الأمم المتحدة أعلى المسؤوليات وكانوا أمناء عليها وفى مقدمتهم الموقف الشجاع للدكتور «بطرس غالي» الأمين العام للأمم المتحدة الأسبق من «مذبحة قانا».
ودفع منصبه بفيتو أميركي ثمنا لموقفه، والدكتور«محمد البرادعي» مديرالوكالة الدولية للطاقة الذرية الذي يدفع الآن ثمن شجاعته وأمانته وعدم رضوخه للضغوط الأميركية والفرنسية في مزاعمهم التي لا دليل عليها ضد إيران، والدكتور«أشرف البيومي» كبير منسقي الأمم المتحدة برنامج النفط مقابل الغذاء في العراق أثناء الحصار والذي استقال لعدم الوفاء بواجبها تجاه الشعب العراقي.
العرب لا يعدمون الرجال الشرفاء أصحاب المواقف الشجاعة، بل هم كثر، لكنهم قد يفتقدون للوسائل السياسية والإعلامية لدعم مواقفهم الشجاعة التي تشرف العرب وتشرف مصر.