الاستقالة المفاجئة لمساعدة وزيرة الخارجية الأميركية، كارن هيوز، من منصبها؛ كسفيرة «الدبلوماسية العامة» لتحسين صورة واشنطن في الخارج؛ تشي بعدة أمور. في مقدمتها أن مغادرتها اعتراف بالفشل، والأهم أنها أشبه بإعلان، بأن المقاربة أصلاً خاطئة وطريقها محكومة بالانسداد وباستحالة الوصول من خلالها إلى المطلوب.

ولذا فهي استقالة من المهمة وليس من الوظيفة فقط، بل هي شهادة بأنها مهمة مستحيلة، وكأن هيوز، التي تعتبر من أقرب المقربين للرئيس بوش، تريد أن تقول بمغادرتها، بأن ترميم الصورة الأميركية المعطوبة ناتج عن علة، لا ينفع معها التلميع؛ لأنها بحاجة إلى قطع غيار.

ترك قطار الإدارة الأميركية في السنة الأخيرة من ولاية أي رئيس أميركي؛ ليس بالأمر الجديد. الأسباب كثيرة. الرئيس في هذه الفترة، تبدأ رئاسته بخسارة وهجها، وحتى فعاليتها، كبار معاونيه وحتى وزراؤه يبدأ موسم رحيلهم إلى القطاع الخاص، حيث تنتظرهم الفرص الكبيرة، وترتفع وتيرة هذا الرحيل إذا كانت سفينة رئيسهم مهددة بالغرق.

وهذا ما حصل مع الرئيس بوش؛ الذي لم يبق معه من بطانته إلا نائب الرئيس تشيني والوزيرة رايس. لكن مع ذلك فإن ذهاب هيوز وفي هذه اللحظة؛ هو أكثر من شيء اعتيادي ومألوف. كما هو أكثر من عملية قفز من مركب تعددت فيه الثقوب. لقد أنيط بها القيام بدور انقاذي، غير مسبوق. قبل سنتين تم انشاء وظيفة جديدة لها، وفي وزارة الخارجية.

بعد حروب الرئيس بوش هبطت صورة واشنطن في العالم عموماً. والشرق الأوسط بخاصة. نسبة الاستياء وصلت إلى حدود 75% رقم غير مسبوق. كان مطلوبا منها القيام بحملة دبلوماسية وعلاقات عامة لوقف هذا التدهور وترميم الوضع المتآكل. قامت، لهذا الغرض، بعملية متعددة الجوانب: علاقة مع الصحافة العربية، إنشاء مراكز إعلامية مستقلة أشبه بسفارات أميركية، في أربع مناطق دولية منها اثنتان في العالم العربي؛ وكانت وراء إصدار مجلة «هاي» بالعربية ـ توقفت عن الصدور العام الماضي ـ؛ بالإضافة إلى دعمها لقناة «الحرة» الأميركية.

كل ذلك من ضمن موازنة بلغت 900 مليون دولار لحملتها. الحصيلة كانت تزايد النفور من واشنطن بنسبة 7% عما كان عليه في بداية توليها لهذا الدور. تردد أحياناً ان علاقتها مع الوزيرة رايس كانت مشوبة بالتوتر والخلاف. لكن المعروف أيضا أن علاقتها مع الرئيس بوش بقيت على أحسن ما يكون؛ وأنها نصحت مراراً وتكراراً بأن حل القضية الفلسطينية قد يكون له مفعول أكثر من أي شيء آخر لتغيير النظرة إلى الولايات المتحدة؛ في العالم العربي وفي الخارج عموماً.

وقد كانت وراء ترتيب الكثير من اللقاءات بين بوش وقيادات فلسطينية؛ في البيت الأبيض ـ حسب غلين كسلر في كتابة «جدير بالثقة: رايس وشرعية بوش». لكن هيوز اصطدمت في مساعيها هذه بالصقور في الإدارة. وهنا منبع الفشل واستطراداً الاستقالة.

لقد أدركت هيوز من خلال المهمة التي انخرطت فيها أن الدبلوماسية والمساحيق عاجزتان عن سد الثغرة. هذه الأخيرة ليست مسألة تشويه دعائي قابل للتجميل. هي حقائق عنيدة وفاقعة، على الأرض من فلسطين إلى العراق إلى بقية الملفات أدت إلى ولادة الأجواء السلبية، تجاه واشنطن. هي سياسات وحروب؛ لم تلمس المنطقة سواها من إدارة كان حريا بها أن تستنجد بمهندس لتصحيح عمل محركها السياسي وليس إلى خبير في وضع اللمسات على صورة خربانة في أصلها. وهذا ما تقوله استقالة هيوز.