منذ أسابيع عاد الملف الكردي إلى سطح أحداث الشرق الأوسط وبقوة وبشكل دموي بعد مصرع خمسة عشر جنديا تركيا وكذلك بشكل دبلوماسي منذر بالمخاطر بعد دخول قوات تركية إلى شمال العراق وتهديد الإقليم الكردي العراقي بالرد، ثم بشكل دولي مع اقتراع لجنة الشؤون الخارجية بالكونغرس الأميركي في العاشر من أكتوبر على لائحة تورط الدولة التركية في ما يسمى إبادة الأرمن عام 1915 ما أثار ظلالا من الريبة والتوجس بين أنقرة وواشنطن.

هذه الأحداث توجت الأسبوع الماضي باندلاع مظاهرات نظمها حزب العمال الكردي في قلب اسطنبول، وذهبت صحيفة تركية يوم الأحد الماضي إلى حد التساؤل عن دور الولايات المتحدة ومنظمة حلف شمال الأطلسي في رعاية وتحريك حزب العمال الكردي لغايات استراتيجية بعيدة تهدف لعزل تركيا وإضعاف جانبها في وقت تقوم فيه أنقرة بمهام دبلوماسية حثيثة لحلحلة الكثير من معضلات الشرق الأوسط بطريقة قد تكون بعض العناصر لدى المحافظين الجدد في واشنطن غير مرتاحين لها!

يجب القول أول الأمر إن القضية الكردية ليست مسألة تركية داخلية لأن الشعب الكردي موزع على دول عديدة منذ عقود، والأكراد يشكلون نسبا متفاوتة من شعوب تركيا وإيران وسوريا والعراق وأرمينيا، ويجمع بينهم تراث واحد ويتكلمون لغة كردية عريقة وقد دخل شعبهم الإسلام عام 18 هجري في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقدم هذا الشعب للتاريخ الإسلامي بطلا عظيما هو صلاح الدين الأيوبي محرر بيت المقدس من الصليبيين وعددا من القادة والعلماء على مر التاريخ.

وليس من مصلحة أية دولة في اقليم الشرق الأوسط أن تتعقد الأزمة الكردية وتتدول وتتجاوز الإرادات الإقليمية لتشكل في المستقبل أخطر بؤرة صراع في المنطقة وأكبر مأساة عرقية لدى الشعوب التي تضم جانبا كرديا في صلبها وأبرز حجة تتيح للقوى العظمى المزيد من التدخل السافر في تحديد مصير الشعوب المتجاورة في هذه الرقعة المتفجرة من العالم والتي يكفيها ما يدور في العراق وفلسطين ولبنان وأفغانستان وما يهدد إيران من سوء العواقب.

المشهد اليوم يبدو أكثر وضوحا من ذي قبل بعد احتلال العراق وإعلان الاستقلال الفعلي لإقليم كردستان العراقي بحكومة وبرلمان وعلم، خاصة وأن رئيس الجمهورية العراقي هو كردي وزعيم سابق لحركة كردية سياسية وعسكرية في العراق أيام حكم البعث. وهذا الواقع الجديد لا بد أن يجعل أكراد تركيا وسوريا وإيران يفكرون في عمل مماثل كخطوة تراها الأحزاب الكردية الانفصالية ضرورية للوصول إلى إنشاء دولة كردستان مستقلة.

وبالطبع فإن تصريحات الرئيس بشار الأسد المؤيدة منذ شهر لقرار البرلمان التركي تخويل الحكومة التركية استعمال القوة في شمال العراق لملاحقة المتمردين الأكراد أثارت تصريحات قوية للرئيس طالباني الذي اعتبرها تجاوزا للخط الأحمر.

أثناء مشاركتي في المؤتمر الدولي الذي انعقد في ألمانيا الشهر الماضي بمبادرة من معهد شيلر العالمي للعلاقات الدولية والذي شارك فيه 500 شخصية من 50 دولة لاحظت شبه اجماع حول تحرك بعض الأوساط الأميركية والإسرائيلية لخلق متاعب لأنقرة من أجل زعزعة دورها الإقليمي وتحجيم قدراتها الدبلوماسية الجديدة منذ انتخاب عبدالله غول رئيسا لتركيا.

فالقيادة التركية تريد اليوم ربط علاقات مع إيران بعد إبرام عقد نقل البترول الإيراني إلى أوروبا عبر الأراضي التركية، وتريد أيضا التوسط بين إسرائيل وسوريا لإيجاد خيوط اتصال مبدئية بين الدولتين بعد أن تقابل وزير الخارجية التركي علي باباجان مع شيمون بيريز.

ولاحظت كذلك تأكيدا أميركيا على صعوبة الاستغناء عن القاعدة العسكرية الأميركية بتركيا (أنجرليك) في الظرف الراهن، وهي القاعدة التي تنطلق منها أغلب العمليات الأميركية في العراق وأفغانستان وربما في المستقبل في بلدان أخرى.

هذا هو المشهد اليوم: تناقض في التحركات والمواقف الأميركية باتجاه أهم حليف لا يزال عضوا في حلف الناتو وتقليديا توكل له دول الحلف مهمات حساسة في اقليم المشرق الإسلامي وتناقض أيضا بين دول الاتحاد الأوروبي أمام رغبة تركيا الانضمام للاتحاد منذ عقود وتناقض أخيرا بين دول المنطقة بسبب الجرح الكردي النازف منذ 1924 .

الأهم من كل شيء في هذه المرحلة الدقيقة هو عقد مؤتمر اقليمي يجمع بين كل الدول التي لديها أقليات كردية للتشاور والتنسيق حتى لا تنفلت الأمور من الأيدي الإقليمية لتتحول قضية كردستان إلى أخطر حريق في مطلع القرن في منطقة لا تنقصها ألسنة اللهب الصاعدة هنا وهناك!

رئيس الأكاديمية الأوروبية للعلاقات الدولية بباريس

alqadidi@hotmail.com