استضافت مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم في بداية الأسبوع الماضي بدبي مؤتمر المعرفة الأول لدراسة وبحث سبل النهضة في المنطقة ودراسة وضع أحد أهم القطاعات في المجتمع على الإطلاق وهو قطاع التعليم والتعليم العالي والبحث العلمي.

أرقام وإحصائيات خطيرة تتداولها بعض المنظمات والهيئات الدولية والرسمية منها وغير الرسمية عن أوضاع البحث العلمي والتعليم وإنتاج المعرفة في العالم العربي. فعلى سبيل المثال لا الحصر، بلغت نسبة الأمية في العالم العربي عام 2002 (5 .28%) من السكان وهي أعلى من المعدل العالمي الذي بلغ في نفس السنة 5 .23%.

أما بالنسبة لمستخدمي الانترنت فالفجوة كبيرة بين المعدل العالمي والمعدل في العالم العربي، أي يوجد 48 شخصا يستخدم الانترنت في العالم العربي لكل ألف من السكان بينما المعدل العالمي بلغ 150 لكل ألف نسمة. حصة القراءة عند القارئ العربي سنويا 3 دقائق مقابل 117 ساعة عند القارئ غير العربي.

أما بالنسبة للميزانية المخصصة للبحث العلمي في العالم العربي فإنها لا تكاد تذكر. في عام 2004 وحسب إحصائيات اليونسكو خصصت الدول العربية مجتمعة للبحث العلمي 1. 7 مليار دولار أي ما نسبته 0 .3% من الناتج القومي الإجمالي. فميزانية البحث العلمي لإسرائيل تفوق ما تخصصه الدول العربية مجتمعة لنفس الغرض. جامعة هارفارد على سبيل المثال تفوق ميزانيتها للبحث العلمي المليار دولار بينما لا تصل ميزانية البحث العلمي في كل الجامعات العربية بمختلف أنواعها وأشكالها بضعة ملايين من الدولارات.

فإذا توقفنا عند البحث العلمي في الوطن العربي نجده يعاني من مشكلات عويصة ومعقدة بعضها يرجع إلى المشاكل الموضوعية والوظيفية المنتشرة في المجتمع والبعض الأخر يتعلق بالجوانب الثقافية والحضارية وبعضها يرجع أساسا إلى انعدام المجتمع المدني وعدم اقتناع صانع القرار بضرورة الرجوع إلى المعطيات والبيانات العلمية لاتخاذ القرار السليم والرشيد، نلاحظ في الوطن العربي قلة مراكز البحوث والدراسات مقارنة بالدول المتقدمة وانعدام هذه المراكز في معظم الجامعات ومؤسسات التعليم العالي.

تشير آخر الإحصائيات أن عدد مراكز البحث في الوطن العربي وصل إلى 375 يعمل بها 31 ألفا و118 عالما وباحثا أي بمعدل 7 .1 باحث لكل عشرة آلاف عامل من اليد العاملة، وهذه نسبة ضئيلة جدا لا تكاد تذكر إذا قارناها بالدول المتقدمة مثل الولايات المتحدة الأميركية حيث بلغت النسبة 66 واليابان 58 وبريطانيا 36.

وهذا يعني أن البحث العلمي في الوطن العربي مازال مهمشا ولم يأخذ نصيبه كما ينبغي. أما عن موقع البحث العلمي العربي في الخريطة العالمية فإنه لا يمثل سوى 7 .1% من الإنتاج العلمي العالمي، وهذا يعني أن مدخلات المعرفة العربية والمعلومة العربية على المستوى الدولي محدودة جدا.

لا يحتل البحث العلمي في الجامعات العربية ومؤسسات التعليم العالي حيزا مرموقا ومكانة تليق به وبأهميته حيث يتمثل الشغل الشاغل لمعظم هذه الجامعات في التدريس وتلقين المعلومات للطالب في غالب الأحيان من مراجع وكتب دراسية غربية. ويأتي البحث العلمي والإنتاج المعرفي في آخر قائمة اهتمامات الجامعة وهنا نلاحظ سلسلة من التناقضات والنقائص نلخصها فيما يلي:

1.ضعف المكتبات ومصادر المعرفة والبحث العلمي والمرافق والتسهيلات اللازمة.

حيث أن الجامعة العربية لا تستثمر في إيجاد مكتبات تضاهي المكتبات المعروفة على المستوى العالمي. وفي معظم الأحيان تفتقد هذه المكتبات لأهم الدوريات والمجلات المتخصصة التي يكون الباحث في أمس الحاجة إليها لمسايرة آخر التطورات العالمية في مجال تخصصه.

2.انعدام الوقت الكافي للقيام بالبحث العلمي حيث أن العبء التدريسي إضافة إلى المشكلات البيروقراطية التي تتفنن فيها معظم الجامعات العربية تُبعد وتنفر عضو هيئة التدريس من كل ما هو بحث علمي.

3. انعدام السياسة البحثية داخل الجامعة وتركيزها على التدريس يصعّب من مهمة عضو هيئة التدريس أو الباحث.فالجامعة العربية يتمثل همها الرئيسي وشغلها الشاغل في الاستجابة للأعداد المتزايدة سنة بعد سنة للطلبة، حيث أن اهتمامها بخدمة العلم والمعرفة يأتي في آخر الأولويات، وهكذا تكون مساهمتها في خدمة التنمية الشاملة في البلاد محدودة.

4. انعدام مراكز ومكاتب البحوث والدراسات داخل الأقسام والكليات في الجامعات العربية يجعل المسافة بعيدة بين عضو هيئة التدريس والبحث العلمي.فللبحث العلمي شروط ومستلزمات ومناخ وثقافة وإذا غابت هذه الشروط أتعدم معها البحث العلمي.

5. انعدام سياسة محكمة ما بين الجامعة والمجتمع بمختلف مؤسساته ومكوناته، وخاصة القطاع الخاص فيما يتعلق بتمويل البحوث العلمية وإشراك الجامعة في دراسة مشكلات المجتمع في مختلف الميادين. انعدام هذا التنسيق يؤدي إلى ضعف ميزانية البحث العلمي وهذا ينعكس بالسلب على الإقبال من قبل المنظومة الجامعية على دراسة المشكلات المختلفة التي يعيشها المجتمع.

والغريب في الأمر أن القطاع الخاص وحتى الحكومي يلجأ في الكثير من الأحيان إلى خبراء وباحثين أجانب لإجراء بعض الاستشارات والدراسات رغم وجود كفاءات على مستوى أبناء الوطن وفي أرض الوطن باستطاعتها أن تقوم بالمهمة على أحسن وجه. هذه الظاهرة تؤدي إلى تهميش الكفاءات الوطنية وقتل مواهبهم وقدراتهم.

6. تبعية الجامعة لأنظمة وأساليب مستوردة فيما يتعلق بالبرامج والمحتوى والطرق، فتكون الجامعة بهذا استهلاكية أكثر منها إنتاجية وفي غالب الأحيان تكون مخرجاتها غير متناسقة مع واقع المجتمع.

7. عدم مواكبة الجامعة في العالم العربي للتطورات التي تحدث على المستوى العالمي وعدم استجابتها للزيادة المذهلة لعدد الطلبة كل سنة، فالأعداد تزيد والمرافق والتجهيزات والميزانية تستقر على حالها.

8. ضعف ميزانية البحث العلمي وفي بعض الأحيان انعدامه في الجامعات العربية، وحتى إذا توفر فإنه يكون محدوداً ويجب المرور بإجراءات بيروقراطية عقيمة للحصول عليه مما يؤدي إلى عزوف الباحثين على طلبه.فميزانية البحث العلمي في الجامعات الغربية تقدر بمئات الملايين من الدولارات، معظمها يأتي من القطاع الخاص الصناعي والمالي ومن الشركات المتعددة الجنسيات. أما في الجامعات العربية فميزانية البحث العلمي لا تتعدى بضع المئات من آلاف الدولارات وتأتي في مجملها من خزينة الدولة.

9. يتركز الهدف من البحث العلمي في الجامعة العربية حول الترقية ونادرا ما نجد دافع الرغبة في زيادة المعرفة العلمية أو خدمة المجتمع والتفاعل مع مختلف مؤسساته، وهذا نظرا كما ذكرنا سالفا لانعدام آليات تنمي العلاقة ما بين الباحث والمؤسسة.

10. قلة أو انعدام المجلات المتخصصة ذات المستوى الجيد في معظم الجامعات العربية حتى يتسنى للباحث العربي أن ينشر فيها، فالباحث العربي يعاني من هذا النقص وفي الكثير من الأحيان يلجأ إلى النشر في مجلات أجنبية بلغة ليست لغته الأصلية.

11. انعدام إطار إداري وتنظيمي وتشريعي للبحث العلمي في الجامعة العربية وهذا يؤدي إلى تهميش البحث العلمي وتجريده من قيمته الحقيقية.

12. انعدام ثقافة البحث العلمي في معظم المجتمعات العربية خاصة فيما يخص العلوم الإنسانية والاجتماعية، حيث أن تجاوب المجتمع مع الباحث ومع البحث العلمي يميزه نوع من النفور وعدم المشاركة أو التشكيك في أهداف الدراسة وفي الكثير من الأحيان عدم الاعتراف بالبحث العلمي ونتائجه وهذا من شأنه أن يعيق الباحث ويقضي على طموحاته وإرادته. فمعظم المؤسسات الخاصة أو الحكومية تنظر للبحث العلمي على أساس أنه تجسس أو استقصاء قد يؤدي إلى جملة من المشاكل.و هذه المواقف كلها ناجمة عن انعدام ثقافة البحث العلمي.

13. انعدام حرية الفكر والإبداع وتوجيه البحوث في اتجاهات معينة لخدمة الخطاب السياسي والأيديولوجي السائد ولخدمة السلطة.

14. تتميز معظم مراكز البحث العلمي الحكومية ببيروقراطيتها وخضوعها الأعمى للسلطة وهذا من شأنه أن يقضي على البحث العلمي في المهد. فهذه المراكز تتميز بإدارة ضخمة وفي الكثير من الأحيان بمسؤولين لا علاقة لهم بالبحث العلمي وإنما اختيروا بسبب انتمائهم السياسي وولائهم للسلطة.

الوضع في العالم العربي إذن يتطلب تغييرات تنظيمية وهيكلية جذرية لمواكبة العصر وللدخول في الألفية الثالثة من أجل صناعة المعرفة وإنتاجها لتغيير وتطوير الفرد والمؤسسة والمجتمع ككل.

كلية الاتصال ــ جامعة الشارقة