لا يمكن إنكار أهمية التعليم بكافة مراحله المختلفة في حياة الأمم والشعوب المعاصرة على وجه الخصوص. فالتعليم قد أصبح أحد أهم المدخلات الخاصة بالمجتمعات الحديثة، وما حساب عدد المدارس في مراحل التعليم ما قبل الجامعي، أو الإشارة إلى عدد الجامعات، أو عدد الطلبة الخريجين، أو عدد مراكز البحث العلمي إلا تأكيد من جانب الدول المختلفة على أهمية التعليم من ناحية وعلى تبيان الأهمية التي تضع من خلالها هذه الدول التعليم على قائمة أولوياتها وميزانيتها السنوية من ناحية أخرى.

فالتعليم لم يعد ترفاً، ولم يعد حكراً على جماعة اجتماعية دون أخرى، إلا ما تفرضه شروط وأوضاع التفاوتات الطبقية بين من يستطيعون الحصول على التعليم المناسب لهم، وهؤلاء الذين لا يجدون أمامهم إلا ما توفره الدولة من مستويات تعليمية عادية أو متدنية المستوى.

وفي هذا الإطار تستحوذ الجامعة على حيز كبير من الأهمية بوصفها الجسر بين الشباب وبين المجتمع، وبوصفها الحاضنة التي يتم من خلالها إعداد الأجيال القادمة لتولي المهام المجتمعية المختلفة. إضافة إلى ذلك، فإن تطوير التعليم بعامة والجامعة بخاصة يرتبط بالأساس بتصور مجتمعي يهدف إلى التطوير الشامل لكافة جوانب المجتمع دون التركيز على جانب دون آخر.

من هنا فإنه من الضروري التركيز على مجموعة من الجوانب التي ترتبط بتطوير الجامعة مثل المستلزمات المادية والأبنية التعليمية والكتب والمكتبات والمعامل المختلفة، إضافة إلى توسيع مساحة الحريات المرتبطة بالعمل الأكاديمي، والمناقشات المختلفة المرتبطة به.

تصبح الجوانب السالفة الذكر اشتراطات لابد من وجودها بدرجة أو بأخرى قبل الحديث عن أية معايير للجودة أو أية عمليات تقويمية أخرى خاصة بأداء الجامعات العربية. فبدون تحقيق الحدود الدنيا للجوانب السابقة يصبح الحديث عن أية معايير خاصة بالجودة وعن أية جوانب تقويمية خاصة بأداء الجامعات العربية محض هراء ومجرد تسويف لواقع تعليمي سيئ.

فالحديث عن تقييم الطلبة لأساتذتهم يصبح عبثيا في ظل عدم وجود علاقة تعليمية حوارية حقيقية بين الطلبة وأساتذتهم، وفي ظل هذا العدد الضخم من الطلاب الذين يزيدون عن حجم قاعات التدريس في الكثير من الجامعات العربية. كما أن الحديث عن تقييم البحث العلمي يصبح عبثيا جداً في ظل عدم وجود معامل حديثة، وفي ظل عدم توافر وسائل الاطلاع المناسبة من مكتبات وإنترنت وأجهزة كومبيوتر.

ورغم أنه من المفروض توافر الجوانب السابقة حتى يمكن البدء في الحديث عن معايير التقويم للأداء التعليمي الجامعي، فإنه لا يجب أن تتوقف عمليات التقويم المستمرة للأداء التعليمي الجامعي.

فبدون التقويم المستمر لن يمكن التيقن من صحة الخطوات المختلفة المتخذة من أجل تطوير التعليم الجامعي. وهناك مجموعة من الأسس لابد منها من أجل العمل على تشكيل استراتيجية جيدة ومقبولة ومناسبة لضمان جودة أداء التعليم الجامعي في العالم العربي.

ليس من الضروري بداية أن ترتكز معايير الجودة وأسس التقويم على المعايير العالمية التي تتخذها الجامعات الغربية، رغم أهمية وضع هذه المعايير في الحسبان. فالبعض من الجامعات العربية التي حصلت على الاعتراف الدولي لبعض كلياتها، لم تحقق ذلك القدر من الارتفاع بالمستوى العلمي لطلابها، ناهيك عن الاستغراق بهم في جوانب غربية تغريبية لا تحقق المصلحة القومية، ولا يتطلبها الواقع العربي المعاصر.

فالمطلوب في مسألة الجودة بالنسبة للتعليم الجامعي العربي ألا ترتبط فقط بالمسائل التقنية، ولكن يجب أيضاً أن ترتبط بالجوانب الأيديولوجية الوطنية. فالتعليم الجامعي ليس ضرباً فقط من التكنولوجيا والكتب الحديثة، بقدر كونه في النهاية صناعة محلية، تبتغي التنوير وتسليط الضوء على مقتضيات ومتطلبات الواقع العربي المعاصر.

فأى خطط تعليمية تصب في مسار التغريب والتحول نحو التعليم الغربي بمقتضياته الفكرية والأيديولوجية هي خطط مآلها الخسران رغم الجوانب الشكلية المبهرة المرتبطة بها.

من الضروري وضع معايير عربية موحدة للتعليم الجامعي، يمكن الاستناد إليها في إجراءات الجودة وتقويم التعليم الجامعي. وفي هذا السياق يجب أن تقوم جامعة الدول العربية عبر المنظمات التابعة لها مثل منظمة التربية والعلوم والثقافة بدورٍ كبير في تحديد هذه المعايير التطويرية للتعليم الجامعي العربي. إن أهمية اتفاق المسؤولين في جامعة الدول العربية على معايير إجرائية محددة للتعليم الجامعي ينبع من كون الجامعة العربية تعي أهمية التعليم الجامعي العربي، كما أنها تعي أيضاً الواقع العربي ومتطلباته المختلفة.

وأخيراً فإنها تعي الجوانب السياسية والاجتماعية والأيديولوجية التي يتطلبها تطوير التعليم العربي، بدون الزج به في قضايا تغريبية لا تمت له بصلة.

ولا يعني وضع معايير تقويمية خاصة بالتعليم الجامعي العربي من قبل جامعة الدول العربية قيداً مفروضاً على الدول العربية، لكنه يعني في التحليل الأخير وجود مرجعية عربية نابعة عن توجهات عروبية مرنة ومتطورة يمكن الاستناد إليها عند البدء في إجراءات تقويم الأداء التعليمي الجامعي في العالم العربي.

من الأهمية بمكان أن ترتكز معايير الجودة وعمليات التقويم الجامعي على الرضا المؤسسي الداخلي. ففي ظل تردي أوضاع التعليم العربية، وفي ظل وضعية الفساد المنتشرة، يمكن التلاعب أيضاً في معايير الجودة، وأساليب التقويم المختلفة.

لذلك فإنه في ظل الحريات الممنوحة لجامعة المستقبل، وفي ظل قدرة الجامعة على غربلة نفسها، وإفراد الساحة الجامعية لأفضل العناصر العاملة بها يمكن تشكيل لجان تؤسس لمعايير الجودة وأساليب التقويم المختلفة.

وفي هذه الحالة لن يكون من الصعوبة بمكان الارتكان لنتائج اللجان المشكلة من بين هذه العناصر الجيدة؛ فالثقة سوف تكون المحور الرئيس الذي يرتكن إليه الجميع إبان عملية التقويم لكافة مؤسسات وأنشطة المجتمع. وفي هذا السياق، لابد من الجمع بين الجانب الكمي والجانب الكيفي في عمليات التطوير الخاصة بالتعليم الجامعي في العالم العربي.

فالحديث عن تحول بعض الجامعات للغة الإنجليزية ليس هو نهاية المطاف والتطوير بالنسبة لبعض الجامعات العربية التي يهمها الشكل أكثر من المضمون. كما أن توافر عدد ضخم من أجهزة الكومبيوتر التي يستخدمها الطلبة في الدردشة عبر الإنترنت وقراءة الصحف وتتبع أخبار الممثلات، لا يعني في جوهره تطويراً تاماً للعملية التعليمية الجامعية.

فالمهم هنا هو الجمع بين الجوانب الكمية والجوانب الكيفية بما يصب في النهاية في خلق تطور تعليمي جوهري حقيقي، يصب في مصلحة الطلبة من ناحية، ومصلحة البحث العلمي من ناحية ثانية، ومصلحة المجتمع من ناحية ثالثة.

رغم أهمية وحدات متابعة جودة التعليم الجامعي التي أصبحت متوافرة في معظم الجامعات العربية المعاصرة، فإن اللافت للنظر أنها أُنشئت على عجل، وفي ظل الموضات التي تنتاب المؤسسات المختلفة في العالم العربي بعامة، والجامعات بخاصة. فالملاحظ أن وحدات مراقبة الجودة الجامعية قد أُنشئت في ظل بيئات جامعية متخلفة، إلى الحد الذي يمكن معه القول بأن هذه الوحدات تراقب جودة ما هو متخلف وراكد وخارج عن أية معايير ترتبط بالتعليم الجامعي الحديث.

وهو الأمر الذي يجعلنا ننتهي بما بدأنا به، حيث من الضروري الانطلاق من توجه مجتمعي عام، ينشد التطور المجتمعي الحضاري الشامل، بما فيه مؤسسات التعليم الجامعية. وإلى أن يحدث ذلك، ستظل عمليات ومعايير الجودة حبراً على ورق، حيث تُراق من خلالها الميزانيات، ويحصل من خلالها البعض على مكافآت سخية بدون أي مردود علمي وتعليمي ومجتمعي حقيقي.

كاتب مصري

moc.liamtoh@mizaledbahelas