مع اقتراب مؤتمر أنابوليس للسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، تتسارع الخطى وتتواصل الاتصالات، وتصدر تصريحات من هنا أو هناك يحمل بعضها الأمل بنجاح هذا الملتقى، ويحذر البعض الآخر من خطورة المرحلة المقبلة وتداعياتها. وحينما تصدر تصريحات من «مصدر مسؤول» أو آخر «رفض الكشف عن اسمه »، فان الأمر هنا يمكن تأويله على غير وجه.
فقد يكون ذلك بالون اختبار لمعرفة رد فعل الآخرين وكيفية تقبلهم لما قد يطرح عليهم من أفكار، أو ربما خدعة أو كذبة أو حقيقة تؤكد مكانة مصدرها. ولكن حينما تصدر تصريحات من قمة الهرم السياسي الفلسطيني، فان الأمر هنا لا يحتمل التأويل. فما يتحدث به أو عنه في هذه الحالة هو حقائق بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معها.
ففي حديثه لوكالة أنباء الشرق الأوسط المصرية، وقبل اجتماعه مع الرئيس مبارك، تحدث الرئيس الفلسطيني محمود عباس عن نقطتين بالغتي الأهمية، الأولى.
خاصة بأجندة مؤتمر انابوليس وضرورة أن تشتمل على خطة خارطة الطريق المتضمنة رؤية الرئيس بوش والمبادرة العربية وقرارات الشرعية الدولية، مع الإشارة إلى قضايا المرحلة النهائية الست وهى القدس والمستوطنات والحدود واللاجئين والمياه والأمن، وكيفية معالجة هذه القضايا وليس حلها، لأن الحل سيأتي في مرحلة لاحقة.
أما النقطة الثانية في حديث أبو مازن فهي قوله انه اتفق مع رئيس الحكومة الإسرائيلية أولمرت، ومستشار الأمن القومي الأميركي ستيف هادلي على تشكيل لجنة ثلاثية فلسطينية إسرائيلية أميركية مشتركة من أجل العمل على تطبيق البند الأول من خارطة الطريق قبل الذهاب إلى المؤتمر.
فالرئيس الفلسطيني وحسب تصريحاته ارتضى أن «تشير» أجندة المؤتمر فقط إلى قضايا المرحلة النهائية وكيفية معالجتها، أما حلها فسوف يأتي في مرحلة لاحقة. خطورة هذه الرؤية تنبع من نظرة الإسرائيليين والأميركيين إلى قضايا المرحلة النهائية وكيفية حلها، وهي الرؤية التي تختلف جذريا عن الموقفين الفلسطيني والعربي.
وبعبارة أكثر وضوحا، فان الرضا الفلسطيني بــ «الإشارة» فقط لكيفية حل هذه القضايا يمثل سابقة خطيرة، لأن المفاوض الفلسطيني سيفقد في هذه اللحظة ورقة مهمة استعاض عنها بعبارات رنانة ووعود براقة يعرف الإسرائيليون جيدا كيف يتلاعبون بها لإيصال الفلسطينيين إلى مرحلة اليأس، وبالتالي القبول بالأمر الواقع.
أما النقطة الأهم في تصريحات الرئيس الفلسطيني فهي قوله انه اتفق مع اولمرت وستيف هادلي على تشكيل لجنة ثلاثية من أجل العمل على تطبيق البند الأول من خطة خارطة الطريق قبل الذهاب إلى المؤتمر. ولعل مكمن الخطر هنا ينبثق من القراءة الأولية لهذا البند في تلك الخطة التي وضعت عليها إسرائيل أربعة عشر تحفظا.
فالبند الأول المراد تطبيقه خلال أيام ينص صراحة على ضرورة قيام السلطة بتفكيك حركات المقاومة وجمع سلاحها والاعتراف بدولة إسرائيل، ووقف كل أشكال التحريض ضدها في مناطق السلطة الفلسطينية وذلك من خلال التعاون الأمني مقابل أن تقوم إسرائيل بكل الخطوات اللازمة للمساعدة في إعادة الحياة إلى طبيعتها.
وهنا نتساءل: كيف سيستطيع أبو مازن إقناع فصائل المقاومة بتسليم أسلحتها، وما هو المقابل لذلك، وكيف يمكن إلغاء حق المقاومة وهو حق أصيل كفلته الشرائع الدولية ؟ وهل سيلجأ الرئيس الفلسطيني للقوة لتنفيذ هذا البند وما هو موقف حماس، وما الذي يمكن أن يترتب على كل ذلك؟
ألا يخشى أبو مازن من حرب أهلية تقع بين الفلسطينيين الذين يسحب البساط من تحت أقدامهم كل يوم؟ ثم ماذا يعني عودة الحياة الفلسطينية إلى طبيعتها؟ وهل سيستطيع أولمرت إعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل الانتفاضة الأخيرة وأين الاستيطان ومصادرة الأراضي الفلسطينية من كل ذلك.
بعبارة أخرى: هل المطلوب من الفلسطينيين تسليم أسلحتهم والتنازل عن حقوقهم المشروعة، مقابل وعود وهمية بعودة الحياة إلى طبيعتها، وهل مطلوب من الفلسطينيين الذهاب إلى مؤتمر يكتفي بالإشارة فقط إلى قضاياهم الرئيسية ؟ أسئلة كثيرة فرضتها تصريحات أبو مازن الخطيرة عن مؤتمر السلام الذي سيشهد كما قال حضورا عربيا مكثفا، وسيشارك فيه الرئيس بوش.
خلاصة القول: إذا كان مؤتمر أنابوليس قدرا حتميا على الفلسطينيين والعرب، فانه ينبغي ألا يتجاوز الثوابت والحقوق المشروعة، الأمر الذي يحتم على الجانبين تنسيقا وتشاورا، قبل أن يجد الجميع نفسه أمام واقع جديد لا مناص من القبول باستحقاقاته، مع التذكير بان التاريخ لن يرحم أحدا.