يعتبر علال الفاسي إحدى الشخصيات الأساسية في تاريخ المغرب الحديث. وكان أحد أبطال الاستقلال إلى جوار الملك الراحل محمد الخامس. وهو الذي أسس حزب «الاستقلال» الذي لا يزال يلعب دوراً مهماً في الحياة السياسية المغربية.

ومعلوم أن قريبه وصهره عباس الفاسي عين مؤخراً رئيساً لوزراء المغرب من قبل الملك محمد السادس. كما أنه كان أستاذا جامعياً، ومفكراً، وقائداً جماهرياً في ذات الوقت. ويعتبر الزعيم علال الفاسي (1910 ـ 1974) من أهم الرموز الفاعلة في الحقلين السياسي والثقافي في المغرب المعاصر.

فهو مثقف تشبَّع بثقافة دينية أصيلة بعد دراسته بجامعة القرويين، وتعمق حسه الوطني، فدخل معترك النضال الوطني ضد المستعمر وهو في شبابه الأول.

لكن شخصية الأستاذ الفاسي لا تُختزل إلى رجل السياسة فحسب، بل تُفهم في مجال آخر له رحابته وأسلحته، ولا يقل أهمية عن عالم السياسة هو: عالم الثقافة. فقد كان خريج القرويين كما ذكرنا وله تكوين فقهي متين. كما كان شاعراً وخطيباً ملهباً للحماس الوطني.

وقد تمكن من الانفتاح على خير ما أنتجته الثقافة الأوروبية في الحقول المعرفية المختلفة كالتاريخ، والاجتماع، والاقتصاد، والسياسة. وهذا ما يتجلى بوضوح من خلال الدراسات القيمة التي كرسها له الاستاذ محمد شكري سلام حيث يطرح السؤال التالي:

لماذا نهتم بفكر علال الفاسي اليوم؟ ألا ينتمي إلى الماضي أكثر مما ينتمي إلى الحاضر أو المستقبل؟ لماذا نركّز التحليل على كتابه المعروف: «النقد الذاتي»؟ ويجيب على ذلك قائلاً اننا نريد استعادة صورة المثقف كفرد له وظيفة اجتماعية ذات أهمية قصوى تتمثل في التنوير وصياغة أسئلة التحول والإصلاح، وبلورة أسس التصور النقدي البنّاء.

وقد بدأت هذه الصورة تنكسر في مرآة التحولات الوطنية والقومية والعالمية الجديدة، والتي تمنحنا الانطباع بتلاشي دور المثقف وفقدانه لوظيفته الأساسية. ولكن الواقع غير ذلك.

فوظيفة المثقف تتعاظم وإن كانت تبدو ظاهرياً وكأنها آيلة إلى الانكماش والتقهقر. من هنا ينبع اختيارنا لعلال الفاسي كمثقف مارس السياسة، أو كسياسي مارس الثقافة. فعلال الفاسي كان مثقفاً عضوياً منخرطاً في هموم مجتمعه المغربي، ولم يكن يفصل بين النظرية والتطبيق أو بين القول والفعل.

وفي كتابه «النقد الذاتي» طرح علال الفاسي مسألة الحرية على كلا المستويين الداخلي والخارجي. فهو لم يكن يناضل من أجل التحرر من الاستعمار فقط، وإنما كان يناضل أيضاً من أجل الحرية الداخلية، أو النقد الذاتي الذي هو أساس كل حركة أو تقدم.

لقد أدان علال الفاسي في كتابه هذا النزعة (الأخلاقوية) الشكلية والمنافقة للطبقة البرجوازية التي لا تفكر في الجائعين والفقراء إلا من جانب الرأفة والصدقة. والأخلاقوية ليست الأخلاقية وإنما هي كاريكاتور لها.

وهذا ما يرفضه علال الفاسي، لأن الفقراء جزء من المجتمع ولهم حق مفروض علينا جميعاً. ونحن لا نتصدق عليهم إذ نساعدهم بل من واجبنا أن نساعدهم. إن لهم حقاً على الدولة والمجتمع ككل. ومعلوم أن مشكلة الفقر هي من أهم إن لم تكن أهم مشاكل مجتمعاتنا.

كان علال الفاسي ينادي بأرستقراطية التفكير. وقد يبدو هذا الشعار مضاداً للتحرر أو للطبقات الدنيا من المجتمع. ولكنه في الواقع لا يقصد الأرستقراطية بمعنى طبقة النبلاء الإقطاعيين التي كانت سائدة في أوروبا.

وإنما يقصد أن الفكر الرفيع لا تنتجه إلا نخبة مستنيرة من أهل الفكر والثقافة لأنه فكر يُنال بالتحرر من القيود المكبِّلة لعامة الناس، حيث يمتلكه العباقرة بعد طول مثابرة وشدة مراس. يرتبط التفكير الأرستقراطي أولاً بالواجب، لأن النخبة السياسية والثقافية هي أول من يستحضر الواجب كنواة في أسلوب عملها لبلوغ المقاصد المحددة.

إن واجب النخبة كحاملة لهذا الفكر الرفيع والأرستقراطي هو تنوير عامة الناس وتوجيه الرأي العام حتى يعمّ التفكير بالواجب القاعدة والقمة على حد سواء، وينتشر ليشمل العامة والخاصة.

وأما الخاصية الثانية التي يتميز بها الفكر الرفيع الأرستقراطي فهي: الصراحة. فالفكر إذا لم يصارح مخاطبيه بوضوح وبيان لن يكون فكراً رفيعاً، لأن إخفاء الحقائق على أوسع شرائح المجتمع ومكونات الأمة بدعوى عدم إلحاق الأذى والضرر بها يعد منهجاً خاطئاً على مستوى التفكير والممارسة.

هذا يعني أن أرستقراطية التفكير هي نخبوية في نشأتها وأصول تشكُّلها لأن الصفوة هي التي تبني الفكر الصحيح. لكن الصفوة تبني هذا الفكر من أجل الجماعة كلها وليس من أجلها فقط. وهنا يكمن الطابع الديمقراطي لتفكير علال الفاسي. فهو أرستقراطي وديمقراطي في آن معاً.

ويعيد الأستاذ محمد شكري سلام هذا الموقف إلى انتماء علال الفاسي إلى الحركة السلفية الإصلاحية. فقد عمل على تجديدها وإشاعتها في المغرب.

ومعروف أن حركة السلفية كانت حركة مناهضة للطرق الصوفية والتواكلية والنزعات الخرافية. فقد حاولت تنقية المعتقد الديني الإسلامي من شوائب التأخر التي علقت به.

وتشترك في هذا العمل رموز أساسية في الفكر السلفي كمحمد عبده وجمال الدين الأفغاني ورشيد رضا وعبد الحميد بن باديس وعلال الفاسي. من الطبيعي إذن أن يحمل هذا الأخير رسالة التنوير المنطلقة من مبدأ الوضوح في مخاطبة الرأي العام.

وهو مبدأ تجدد في الثقافة السياسية المعاصرة ليسمى الآن ب(الشفافية). لكن ما المقصود بالحركة السلفية؟ وكيف تشكلت ونشأت في العالم الإسلامي؟ يرى الأستاذ سلام أنه يصعب اختزال السلفية إلى مفكر واحد أو ثلة قليلة من المفكرين. كما يصعب حصر اجتهادات رموزها في أطروحة واحدة بمفاهيم محددة.

التيار السلفي غني متعدد وإن كانت رموزه تشترك كلها في التأكيد على أهمية الاستفادة من الحضارة الغربية مع العودة إلى السلف الأول كضرورة ملحة ومفتاح لحل مشكلاتنا الراهنة.

ولعل هذه الضرورة هي ما يُعتبر العمود الفقري في الأطروحة السلفية. وبالطبع فمن زعماء السلفية الإصلاحية في المشرق نذكر جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده. ومن زعمائها في المغرب علال الفاسي.

لقد تأثر محمد عبده كما هو معلوم بأستاذه الأفغاني ونهل من مرجعية فكره السلفي. كما قرأ واقع التأخر الذي يميز المجتمع العربي ـ الإسلامي، فاستخلص أن التأخر يصيب الفكر أيضاً ويحبسه عن كل اجتهاد.

وكانت مهمته تكمن في تنقية الإسلام من شوائب الأفكار العالقة به، وذلك بتحرير الفكر من قيد التقليد. وقد حدد برنامج الإصلاح الديني في ثلاثة مبادئ هي:

1. تأكيد الجوهر العقلاني للإسلام، وذلك ضد التقليديين والخصوم المحدثين في آن معا.

2. بناء العقيدة على رؤيا عصرية.

3. إصلاح طرق التربية ومناهجها، وخاصة نظام التعليم.

ينهج محمد عبده نهج أستاذه الأفغاني فيما يتصل بشرح المبدأ الأول، فيرى أن الدين لا يتعارض مع العلم لأنه ليس دعوة فقط، بل هو منظومة عقلانية احتضنت تفكيراً عميقاً في الشؤون المدنية والدنيوية.

الدين ليس دين «الآخرة والعبادات» فقط، بل هو دين المعاملات أيضاً. ويمكن القول ان علال الفاسي في المغرب كان يشبه محمد عبده في المشرق. والواقع أنه نهل من سلفية المشرق وقرأها في ينابيعها الأولى، كما نهل من سلفية المغرب منذ أن كان طالباً بالقرويين.

وكان يعتبر أن الثورة الفكرية هي أساس كل إصلاح مجتمعي. ومعلوم أن جامع القرويين بالنسبة للمغاربة لا يقل أهمية عن الزيتونة بالنسبة للتوانسة أو الجامع الأزهر بالنسبة للمصريين.

ثم يتحدث الأستاذ محمد شكري سلام عن تيارين أساسيين اخترقا وعي المثقفين والسياسيين العرب منذ القرن التاسع عشر وحتى الآن. هذان التياران هما: الاتجاه الماضوي، والاتجاه الحداثي. الاتجاه الأول يمعن في التشبُّث بالتراث والحنين إلى الماضي حيث يرى فيه الصورة المشرقة للكيان الحضاري العربي، وهنا تتموضع الإصلاحية السلفية. أما الاتجاه الحداثي فهو يرى أن النهضة لن تتحقق إلا باتباع الحضارة الغربية والسير على نهجها. وهنا نجد أن كل اتجاه أنجب أعلاماً فكرية يختلفون تشدداً أو مرونة في انتصارهم للتراث أو للحداثة.

كانت سلفية علال الفاسي تنتمي للاتجاه الماضوي التراثي، لكنها لم تكن رافضة لقيم العلم والحداثة والمدنية المعاصرة. بل كانت سلفية ليبرالية، إن صح التعبير. كان علال الفاسي يرفض النظرة التقليدية الضيقة أو المتحجرة التي ترفض الأخذ عن علوم الغرب وتقنياته. فهو كسلفي لم يلق بالتراث الغربي جانباً، بل كرس جهده لقراءته في أهم تياراته وميادينه. وكان دارساً، متفحصاً وناقداً للمدارس الاقتصادية والسياسية والاجتماعية الأوروبية.

ويرى عبدالله العروي أن علال الفاسي لم يكن تقليدياً أو تكراراً لمحمد عبده كما يظن البعض. وإنما كان على معرفة أعمق منه بالفكر الغربي. ويتفق حليم بركات مع هذا الرأي عندما يصف سلفية علال الفاسي بأنها سلفية توفيقية والمقصود أنها توفق بين الماضي والحاضر، أو بين التراث والحداثة.

وذلك على عكس السلفية الماضوية الصرفة التي ترفض أي انفتاح على الحداثة. وبالتالي فلا ينبغي ان تخدعنا كلمة السلفية هنا. فهي لا تعني التزمت أو التعصب على الإطلاق. وإنما تعني أخذ أفضل ما في التراث العربي الإسلامي من جهة وأفضل ما أعطته الحضارة الأوروبية من جهة أخرى.

كاتب سوري ــ باريس