حتى أوائل عام 2003 كانت الاشتباكات المسلحة داخل إقليم دارفور محصورة في إطار الصراع القبلي المحلي بين ميليشيات تابعة لقبائل إفريقية وأخرى تابعة لقبائل عربية. لم تكن حرباً شاملة واسعة النطاق، فقد اقتصر الأمر على مناوشات متقطعة قصيرة الأمد.

ولم يكن أحد من الجانبين يستهدف مواقع حكومية، فجأة تبدل الحال: دون مقدمات أو إنذار اندفعت ميليشيات تابعة لقبيلتي الزغاوة والفور الإفريقيتين مدعومة بأحدث الأسلحة وأحدث العربات صوب أهداف حكومية. من خلال ضربات متتالية هوجم 80 مركزاً للشرطة. ولاحقاً جرى هجوم كاسح على مطار الفاشر ـ أكبر وأهم مطار في دارفور ـ حيث دمرت سبع طائرات.

كان هذا التطور الفجائي الخطير أول مؤشر بأن مشكلة دارفور بدأت تتخذ بعداً خارجياً. فالهجمات وشت بتسليح عالي المستوى وتدريب متقدم لكوادر الميليشيات، هذا ما أكدته التطورات اللاحقة المتسارعة. فقد تغير المشهد الدارفوري نوعياً من اشتباكات قبلية محدودة إلى حرب تشنها الميليشيات القبلية الإفريقية ضد القوات الحكومية وميليشيات القبائل العربية معاً.

حينئذ لم يكن واضحاً تماماً أن هدف القوى الغربية هو مساعدة ميليشيات القبائل الإفريقية للاستيلاء على الإقليم بأكمله لكن الأمر أخذ ينفضح رويداً من خلال ثلاثة مؤشرات رئيسية تتفاعل مع بعضها البعض:

أولاً: اندلاع حملة إعلامية غربية ضارية تدعو رسالتها الرأي العام العالمي للتعاطف مع القبائل الإفريقية باعتبار أنها ضحية اضطهاد تمارسه عليها القبائل العربية بتشجيع ودعم من الحكومة السودانية «التي يغلب عليها الطابع العربي»، ويعزز من هذه الرسالة تنظيم مظاهرات ومسيرات في العواصم والمدن الغربية يرتب لها جماعات اليمين المسيحي في الولايات المتحدة والمنظمات التابعة للحركة اليهودية العالمية.

ثانياً: توافد شخصيات قيادية غربية على نحو فجائي إلى دارفور: جاء كولين باول.. وتبعه توني بلير.. وأعضاء في الكونغرس الأميركي.. ووزراء أوروبيون. وجاء أيضاً كوفي عنان الأمين العام للأمم المتحدة تفادياً لغضب غربي إذا تخلف.

ثالثاً: خلال فترة زمنية قياسية تدافعت منظمات «الإغاثة» الغربية سيئة الصيت إلى الإقليم حتى بلغ عدد العاملين المنتسبين إليها 11 ألفاً انتشروا في أنحاء الإقليم ليمارسوا نشاط الإغاثة كغطاء يخفي أنشطتهم الحقيقية كوكلاء محليين للمؤسسات الاستخباراتية والإعلامية الغربية.

ما هو الهدف الغربي الأكبر؟

حتى هذه اللحظة لا توجد إجابة مباشرة ومحددة وواضحة عن هذا السؤال، هل هو النفط كما قال العقيد القذافي؟ وهل لدى الحكومات الغربية ما يثبت أن دارفور إقليم غني بمخزونات نفطية؟ وهل المراد إذن عند نهاية المطاف هو تنصيب حكومة عميلة من العناصر القيادية لحركات التمرد بعد فصله عن السودان؟

يوماً ما سوف تظهر الأجندة الحقيقية. ولكن في كل الأحوال علينا أن نسلم بأن الحكومات الغربية ليست مؤسسات خيرية ينبعث اهتمامها بأهل دارفور من اعتبارات إنسانية صرفة، وتأسيساً على هذه الحقيقة علينا أن نسلم أيضاً بأنه لا قادة الحكومات الغربية ولا قيادات التمرد المسلح التي تأتمر بأمرها يريدون تسوية سياسية لمسألة دارفور على أساس إحلال السلام.

باستخدام قيادات التمرد عمد الغرب إلى تحويل المشكلة من صراع محلي بين قبائل رعاة وقبائل مزارعين حول موارد مياه أصبحت شحيحة بسبب توالي موجات الجفاف والتصحر إلى قضية تباغض عنصري بين قبائل إفريقية وقبائل عربية بتحريض مجموعة ضد أخرى.