اثبتت تجارب الامم والشعوب، في المنطقة وعلى امتداد العالم، ان الحرب والمواجهات المسلحة وان كانت تؤدي الى تغيير موازين القوى او التأثير فيها على نحو او اخر، الا انها لا يمكن ان تؤدي الى تسوية نزاع او حل مشكلة.
وبالرغم من خبرة الشعب السوداني الشقيق على امتداد العقود الاخيرة التي اثبتت، وبما لا يدع مجالا للشك، ان الحوار والالتقاء والتفاهم بين الاطراف والقوى السودانية هو السبيل الامثل لحل اية خلافات، وان اللجوء الى السلاح او استقواء بعض الاطراف السودانية بهذا الطرف الاقليمي او ذاك لا يحل مشكلة ولا يجلب استقرارا، فان ما شهده مؤتمر سرت بالجماهيرية الليبية خلال هذا الاسبوع ولجوء عدد من الفصائل المتمردة في دارفور الى مقاطعة المؤتمر من شأنه فقط ان يعرقل ويقلل من امكانية حل الخلافات بين الحكومة السودانية والاطراف المعنية في دارفور بشكل سريع كما كان يتطلع كل ابناء الشعب السوداني الشقيق ومنهم ابناء اقليم دارفور.
واذا كانت بعض الفصائل المؤثرة في دارفور قد اختارت المقاطعة وعدم المشاركة في مفاوضات سرت كمحاولة للضغط على الحكومة السودانية من ناحية ومن اجل الدفع ببعض الاطراف الاقليمية والدولية الى التدخل بشكل اكبر في جهود حل مشكلة دارفور فانه ينبغي التوقف امام نقطتين اساسيتين:
اولهما ان اسلوب المقاطعة والانعزال وعدم المشاركة هو في الواقع اسلوب يتسم بالسلبية الى حد كبير، خاصة اذا كان هناك التقاء اقليمي ودولي واسع حول اهمية وضرورة الدفع بمشكلة دارفور على طريق الحل واستعادة الاستقرار خاصة بعد استجابة الحكومة السودانية للرغبة الاقليمية والدولية بتشكيل قوات مختلطة للعمل لحفظ السلام في دارفور وتعاونها الواضح مع الامم المتحدة والاتحاد الافريقي وعدد من الدول المجاورة للسودان في هذه المسألة. وفي ضوء ذلك فان موقف المقاطعة من جانب بعض فصائل دارفور هو موقف سلبي بكل المعايير، خاصة وان الفصائل المقاطعة طالبت بالاستجابة لشروط ومطالب معينة حتى تشارك في المفاوضات، وهو ما يزيد من تعقيد الوضع.
اما النقطة الثانية فان مقاطعة بعض فصائل دارفور لمؤتمر سرت في الايام الاخيرة قد تزامن مع ظهور بعض الخلافات بين الحكومة السودانية وحركة الجيش الشعبي لتحرير السودان التي سحبت وزراءها من الحكومة المركزية على خلفية جدل حول تطبيق اتفاق نيفاشا للسلام بين الشمال والجنوب السوداني، ولم يكن مصادفة ابدا ان يلتقي سلفا كير مع قادة فصائل دارفور المقاطعة لمؤتمر سرت عشية عقد المؤتمر في جوبا عاصمة جنوب السودان. وهو ما يحمل رسالة واضحة الدلالة من جانب المشاركين في اجتماع جوبا.
على اية حال فانه في الوقت الذي اكد فيه الرئيس السوداني عمر البشير على رفض التدخل الخارجي في السودان، فان اعلانه في سرت عن وقف اطلاق النار من جانب واحد في دارفور كان في الواقع خطوة على قدر كبير من الايجابية وبعد النظر. ليس فقط لانها تؤكد على رغبة الحكومة والقيادة السودانية على حل مشكلة دارفور وانهاء اسباب اية نزاعات في السودان، ولكن ايضا لان هذا القرار يرد بشكل قوي على من يروجون اتهامات وشائعات بان الحكومة السودانية تقوم باعمال مسلحة في دارفور، ويكشف في الوقت نفسه موقف الفصائل المعارضة وسعيها لاستمرار عدم الاستقرار خدمة لحساباتها الخاصة واضرارا بالمصالح الوطنية السودانية.
ونظرا لان هناك اكثر من طرف اقليمي ودولي يدفع لتأجيج الوضع في السودان، فانه من المأمول ان تستجيب فصائل دارفور للنداءات الكثيرة لها باللحاق بمفاوضات سرت والتخلي عن المقاطعة والتحلي بالايجابية في البحث والتعاون لحل المشكلة واعادة الاستقرار الى دارفور وللسودان ككل، خاصة وان وقف اطلاق النار من جانب الحكومة السودانية يعزز فرص الحوار وهو ما ينبغي استثماره لصالح كل الاطراف السودانية.
