يحتفى في الغرب بالمعرفة بأشكال متعددة، ولعل اهتمامه بإنتاج وصناعة الكتاب مثال واضح ومستمر على هذا الاحتفاء، وعلى مدى وعي الغرب بضرورة المعرفة والحرص على إنتاجها ذاتياً، لكن هذا الغرب الذي نكبر فيه اليوم حرصه وشغفه ودقته العلمية في تعاطيه مع الكتاب وصناعته تأليفا وطباعة ونشراً وتوزيعاً.

لم يعرف هذا الاهتمام إلا بعد أن دخل في خضات تاريخية قاسية، وتجارب وصلت حد الدموية وإبادة الملايين من سكان القارة العجوز، لقد أخذت الصراعات في الغرب طابع الهمجية والتدمير، وطبعت أوروبا نفسها بطابع الظلامية والتخلف حتى قررت أن تضيء المصباح وتنير حياة أبنائها، فدخلت عصر التنوير والنهضة ضمن سياق تاريخي كبير ومعقد ومتشعب؛ قادها في نهاية المطاف لواقع التحضر الذي تعيشه اليوم.

إن طوابير الناس الذين ينامون عند أبواب المكتبات بانتظار الصباح من أجل الحصول على نسخة من كتاب معين مشهد يتكرر كثيراً في أوروبا والولايات المتحدة واليابان لكنه من المحال تصوره في إحدى دولنا العربية، والأسباب كثيرة يتداخل فيها الإعلام وسيطرة الإعلان ووعي الناس وأنماط الحياة والاهتمامات و.. إلخ.

لكن مكانة الكتاب في حياة الفرد هناك عامل حاسم بالتأكيد في هذا المشهد، وبينما تحتل قوائم الكتب الأكثر مبيعاً صفحات ضخمة في كبريات الصحف في بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية، لا نكاد نرى في صحفنا أي اهتمام بالكتاب أو بالثقافة، ودائماً ما تكون صفحة الثقافة هامشية جداً، فهي آخر الاهتمامات وأول ما يلغى من الصفحات من أجل إعلان أو غير ذلك!

المكتبة جزء أساسي في حياة الفرد الغربي.

وفي البيت الغربي، المكتبة التي هي زاد المعرفة والمعارف والثقافات، بينما مازلنا نحن نتحدث عن مكتبات منزلية للزينة والتباهي لا أكثر، وبينما تذهب ميزانية الفرد العربي لاحتياجات السوبر ماركت وخلافه فإن شراء الكتب بند رئيسي على قائمة احتياجات الأسرة الأوروبية في الغرب والولايات المتحدة، وهنا فإن المقارنة تطول في هذا الصدد!

وبطبيعة الحال فإن نمط الحياة، ومستوى المعيشة وحقوق المواطن المكفولة بقوانين وأنظمة وآليات مؤسسية تلعب دوراً أساسياً في تحديد العلاقة بعالم الثقافة والكتاب على المستوى الفردي، كما تحدد كمية المنتج المعرفي على مستوى المؤسسات والتجمعات العلمية. ومن هنا فإن إخفاق المجتمع العلمي العربي في إنتاج ألف كتاب سنوياً لا يعود بالضرورة إلى قرار هذا المجتمع بعدم التأليف بقدر ما يعود إلى الظروف السياسية والاقتصادية المحيطة والمعوقة والمؤثرة في هذا المجتمع وفي ديناميكيته وحدود حركته.

إن أفق التأليف واسع جداً، والمواضيع التي يجب أن تطرق كثيرة، لكن نظرة واحدة لمعارض كتبنا العربية سنوياً لا تعطي إلا انطباعاً واحداً مفاده أن التأليف والنشر وإعادة الطباعة محصورة تقريباً في كتب التراث، والغيبيات والدين والسياسة! وكأن الحياة توقفت هنا، بينما تحفل المعرفة بفروع لا حصر لها، فإذا تأملنا في الأسباب وجدنا الحرية المحدودة سبباً ومحرمات السياسة سبباً آخر.

ووجدنا محدودية الإنفاق على البحث والتأليف سبباً وعدم القدرة على ترويج الكتاب سبباً آخر و...

إن المجتمع العلمي العربي لا ينتج، لأن إنتاج المعرفة إفراز واقع وليس خيار فرد، وحين يبدع العربي في بلاد الغرب فذلك ليس لأن العبقرية واتته فجأة هناك، ولكن لأن ظروفاً في عالمه تقمع عبقريته، بينما تطلقها من عقالها هناك.. الحرية أولاً والحرية أخيراً هذه هي المعادلة.

ayya-222@hotmail.com