سعدت كثيراً بزيارة مدينة دبي قبل أيام قليلة لأنها المدينة التي أحببتها كثيراً منذ أن كنت مقيماً فيها وازداد حبي لها أكثر بعد أن اضطررت لمغادرتها لتبدأ عفوياً مسيرة المقارنة بين هذه المدينة التي أصبحت إنموذجاً للتطور والحداثة والازدهار والخدمات المتطورة في المنطقة وخارجها بين العديد من المدن الأخرى التي أقمت بها أو زرتها وهي تحاول اقتباس الإنجازات الهائلة التي تحققت بدولة الإمارات عموماً وفي مدينة دبي بشكل خاص، ولكن دون جدوى. اليوم دبي تتألق وتقف شامخة وواثقة لتنافس العديد من المدن العالمية في دول الشمال والشرق.
ولكن سعادتي كانت أكبر لأنني كنت أحد الشاهدين على افتتاح صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس دولة الإمارات رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي أعمال المؤتمر الأول للمعرفة الذي تنظمه مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم التي أطلقها سموه في شهر مايو من العام الجاري بوقفية تبلغ عشرة مليارات دولار أميركي، الأمر الذي حظي باهتمام بالغ في العالمين العربي والإسلامي في هذا الظرف التاريخي، ألا وهو مستقبل العمل المعرفي فيهما.
إنه المؤتمر الذي استجاب لطلب مُلِحّ يتوق إليه كل العرب والمسلمين منذ ما يزيد على قرنين من الزمن، بهدف اللحاق بركب الأمم المتقدمة، والولوج إلى آفاق جديدة من التقدم والتنمية البشرية. وفي هذا المؤتمر من الابتكار والتجديد والإبداع، ومن دقة تشخيص العلّة، وتلمّس أسباب التعافي والشفاء، ما يحمل جميع الكتاب والمحللين والمخلصين في الأمتين العربية والإسلامية على أن يثنوا على هذه المبادرة الخلاّقة التي ينتظر منها أن تعود على العرب والمسلمين خيراً ونماءً ورفعة، وستقيّض لدولة الإمارات العربية المتحدة، مزيداً من الرّيادة، ومزيداً من العطاء والمآثر الحميدة، في خدمة الأمة والمجتمع الإنساني كله.
دخلت البشرية في نهاية العقد الأخير من القرن الماضي وتحديداً بعد انهيار المعسكر الشرقي، في عصر مشحون بالجديد، زاخر بالتطورات المتلاحقة، تقودها قوة دافعة تقوم أساساً على المعرفة والتكنولوجيا الحديثة والمصطلحات الجديدة كمصطلح «القرية العالمية». وأصبح من يملك العلم والمعرفة اليوم، قادراً على أن يثبت ذاته، بل وأن يفرض هيمنته على من لا يملكها.
وأضحى هناك ثمن فادح للجهل، تقابله مردودية مجزية للمعرفة. وأثبتت التجارب أن ثمّة ارتباطاً وثيق العُرى، بين مستوى العلم والمعرفة في بلد ما، ومستوى التنمية فيه، إذ أصبحا توأمين متلازمين، كما أكّد الواقع المعاش أن لا تنمية ولا ازدهار في غياب حرية التفكير والإبداع بالتفاعل والتواصل مع الجهد العالمي. ومن هنا أصبح أصحاب العقول والمبدعون ثروة قومية ينبغي رعايتها، والاعتناء بها، وإيجاد البيئة العلمية الضرورية لنموّها ولازدهارها في موطنها الأصلي.
لقد كانت الأمة الإسلامية سيدة العالم عندما كانت الحاضنة الأولى للعلم والمعرفة. ومن هنا فإن العمل الكبير الذي شيده صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد قبل أيام، من خلال مؤسسة حملت اسمه الكريم، وتحدث عنه العديد من العلماء والمفكرين المسلمين تتفق في مضمونها وأهدافها ومحاورها الاستراتيجية باتجاه واحد وهو النهوض بمسار التنمية المعرفية وتطوير التعليم، والارتقاء بالواقع الثقافي للأمة، وريادة الأعمال وخلق الوظائف.
حان الوقت للأمتين العربية والإسلامية أن تلحق بالركب المتسارع للحضارة العالمية الحديثة لا سيما في مجال المعرفة والتكنولوجيا التي بدأت تخلق فجوة معرفية هائلة بين الأمم. وأن لا يستمر الواقع الحالي الذي اتسم بتأخر العرب والمسلمين عن اللحاق بركب الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر، الأمر الذي مازالت نتائجه الوخيمة جلية ومتجذرة. ويكفي الإشارة إلى الحقائق إلى تقارير التنمية البشرية في العالمين العربي والإسلامي التي أعدتها منظمات دولية. ومن بين أكثر هذه الحقائق مرارة وإثارة للقلق، ظاهرة تفشي الأمية والجهل وتزايد نسبة عدد الأميين اليوم عما كان عليه الحال خلال القرن الماضي.
وبهذا الخصوص أشار البروفيسور أكمل الدين إحسان أوغلو الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي في خطابه أمام مؤتمر المعرفة إلى أن تقارير المؤسسات المتخصصة للمنظمة تؤكد أن هناك 36 دولة في العالم الإسلامي من أصل 57 دولة تتراوح نسبة الفقر فيها ما بين 20 و 60%، بينما تتفشى ظاهرة الأمية في 36 دولة بنسبة تصل ما بين 20 - 81%.
إن الحجر الأساس الذي شيده صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد في مؤتمر المعرفة بدبي يعكس الحاجة إلى إعادة النظر في الواقع المعرفي والإمكانات البشرية للعالمين العربي والإسلامي، وللقيام بتحليل موضوعي بعيداً عن التأثيرات الأيديولوجية التي أسهمت في تشكيل النمط الثقافي وصاغت المنظومة الفكرية والثقافية فيه في العصور الأخيرة، والتي أدت صعوبة اللحاق بالركب الحضاري، حيث لم تعالج بالقدر الكافي ضرورة وضع المشاريع والبرامج التنموية الملائمة، وتمّ إهمال البحث العلمي، ومؤسسات التعليم المهني والمعاهد التقنية التي تمثل الحلقة الوسطية في بنية الإنتاج الصناعي والزراعي والتجاري.
لقد أعرب صاحب السمو الشيخ محمد في كلمته عن تفاؤله بنجاح المؤسسة، وحدد الثوابت والمنطلقات التي تستند إليها المؤسسة في عملها، مشيراً إلى أنها مؤسسة تنموية لديها رؤية واضحة وهدف محدد هو الإسهام في جهود بناء المعرفة في العالمين العربي والإسلامي. وأشار أيضاً إلى ضرورة إدراك المؤسسة بأن التخطيط والتنظيم وحسن إدارة الموارد والوعي على الترابط والتكامل في أدوار منتجي المعرفة هو من شروط تحقيق التنمية المعرفية المستدامة.
وعليه فإن ما أراد تجسيده فعلياً من خلال هذه المؤسسة هو توفير بيئة قادرة تستطيع أن تحتضن أشواق الشعوب للإنجاز والتقدم، وأنظمة عمل تقوم على النزاهة والشفافية وتكافؤ الفرص حتى يمكن تحقيق الإبداع والإنتاج والعطاء وتصل الشعوب إلى غايتهم في العلم والمعرفة والتطور.
نسأل الله كل التوفيق لهذه المؤسسة ونشكر صاحب السمو الشيخ محمد ودولة الإمارات وقيادتها الحكيمة على كل الأعمال التي تقوم بها لدعم الشعوب العربية والإسلامية في كل المجالات، وسيذكر التاريخ هذه المبادرات والأعمال الكبيرة الهادفة لإحداث تغييرات نوعية تساهم في جسر الهوة مع العالم الخارجي.
كاتب وباحث سياسي
