مؤتمر الجامعة العربية في الخرطوم، حول دارفور، حمل مؤشرات انتعاش لتضامن عربي؛ غائب منذ فترة عن شاشة الرادار الإقليمي بالأحرى جرى تغييبه، بتضافر ظروف كثيرة، قاسية وخطيرة، من داخل المنطقة وخارجها. حتى كاد يبدو أنه في حالة استقالة، أو أنه أحيل على التقاعد.

أزمات والتهابات اندلعت، في أكثر من ساحة عربية؛ من دون أن يكون للحضور العربي أثر ملموس، ناهيك بالفاعل. لا شك أن الموانع كانت وازنة، وبالتالي مكلفة. لكن عدم اختراق جدارها كان أكثر كلفة، فالمشكلات ازدادت تعقيدا وخطورة. صارت تهدد بالأدهى. ومن هنا أهمية اللقاء الذي نظمته الجامعة في العاصمة السودانية. فهو جاء ليطرق باب إحدى هذه المشكلات، من موقع العمل العربي المشترك. شارك فيه معظم البلدان العربية.

كما حضرت إلى جانبها وفود عدد كبير من الهيئات والمؤسسات؛ الإنسانية والتنموية؛ فضلا عن منظمات العمل العربي المشترك وصناديق التمويل والاستثمار والمنظمات الأهلية والقطاع الخاص العربي. تكتل واسع كانت الغاية من جمعه، حشد وتعزيز الجهود لتحسين الأوضاع الإنسانية في دارفور؛ من خلال إطلاق عملية تنمية وتأمين الخدمات الضرورية للمواطنين، الذين حولت النزاعات الدموية في الأقليم حياتهم إلى شبه جحيم.

الدول العربية المشاركة قدمت ربع مليار دولار ـ من أصل 850 مليوناً ـ لتمويل هذه المشاريع. لا يخفى أن أزمة دارفور، أكثر تعقيدا؛ وأن المدخل الرئيسي لمعالجتها وطيّ صفحتها هو الحل السياسي. لكن على تواضع مقرراته كان مؤتمر الخرطوم محطة مهمة برمزيتها ومدلولاتها. حجم المشاركة العربية ومستواها، كانا ملفتين. يؤشر ذلك إلى أن مقومات التضامن لا تزال حية. وإن مساحة تفعيلها وتنشيطها، متوفرة ولو بالحد الأدنى، الذي يُبقي على إمكانية التعويم قائمة.

صحيح أن المؤتمر دار بالأساس حول الجوانب الإنسانية والمطلوب لمواجهة تحدياتها لكنه لم يتجاهل الجوانب الأخرى. فهو لفت إلى أهمية السلام؛ كما لفت إلى أهمية مشاركة كل الأطراف في عملية تحقيق هذا الهدف، فقد حث المؤتمرون كافة المعنيين بالنزاع، للانضمام إلى طاولة الحوار والتفاوض؛ سعياً وراء تسوية سياسية.

كما دعا المؤتمر المجتمع الدولي إلى تكثيف المساعي والجهود الرامية إلى تزخيم عملية السلام. أيضاً هو عرج على قضية أطفال دارفور الأخيرة، وطالب بتقديم مرتكبي جريمة المتاجرة بهم إلى المحاكمة، وبذلك يكون لقاء الخرطوم، بما هو مبادرة للجامعة العربية، قد فتح ملف الإقليم النازف، بمفتاح تضامني. ومن هذه الناحية، فهو يكتسب أبعاداً تتجاوز إنجازاته المحدودة.

أهمها أنه يعيد لبيت العرب ـ ولو من باب التذكير ـ بعضاً من دوره. بل هو يسلط الضوء على الحاجة لهذا البيت كرابط جامع؛ لا غنى عنه؛ ولما يفترض أن يقوم به، خاصة في المرحلة الراهنة التي تحتشد فيها الأخطار، المهددة لأكثر من ساحة عربية، بل للمنطقة برمتها.

فالأزمات العاتية العاصفة بها، تعود في الجانب الأكبر منها، إلى الاستفراد بهذه الساحات وتعميق التنافر بينها؛ الأمر الذي أدّى إلى المزيد من التهميش للجامعة وتعطيل دورها الاستدراكي المبادر؛ لإبقاء التضامن العربي، في أقله، على قيد الحياة. بعد حرب 1967 أسست قمة الخرطوم لتعزيز التضامن العربي. الظروف الحالية في المنطقة أشد خطراً. فهل يؤسس مؤتمر الخرطوم الأخير لإحياء مثل هذا التضامن؟ تفاؤل ربما مبالغ فيه. لكنه ضروري.