عندما كتب زيجينو بريجنسكي كتابه الشهير «رقعة الشطرنج العظمى» الذي اختير كأفضل كتاب في الولايات المتحدة عام 1997 كانت الأوضاع الدولية تختلف كثيرا عما عليها الآن بعد عشر سنوات منذ صدور الكتاب، وكان الغرب مازال منتشيا وسعيدا بانتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي وتفككه لخمس عشرة دولة.

وكانت سعادة الغرب وخاصة واشنطن أكبر بحالة الضعف الشديد التي كانت تعاني منها روسيا في عهد الرئيس الراحل بوريس يلتسين، وتصور الغرب أن الأحوال ستستمر وتتقدم للأحسن، وأنه سيشارك في ميراث الاتحاد السوفييتي وسينال نصيبه منه دون أية مشاكل تذكر، وفي ضوء هذه الأحوال وضع بريجنسكي كتابه الشهير والذي أعطى فيه اهتماما وأهمية كبيرة لأوكرانيا.

واعتبرها اللاعب والأداة الرئيسية للغزو الأوروبي الغربي لأسيا، وطالب بريجنسكي واشنطن بإعطاء اهتمام أكبر لأوكرانيا باعتبارها الدعامة الأكبر لروسيا والتي بدونها لا تستطيع موسكو أن تستعيد طموحاتها في التوسع خارج حدودها وتفقد حلمها في نشر أساطيلها الحربية في المياه الدافئة، ولهذا أطلق بريجنسكي على أوكرانيا «قطعة الشطرنج العظمى».

ولم تتردد واشنطن في جذب أوكرانيا إليها وإغراقها بالوعود والمساعدات حتى باتت ثالث دولة بعد إسرائيل ومصر في حجم المساعدات الخارجية الأميركية، وبدأ حلف شمال الأطلسي يعد العدة لضم أوكرانيا لعضويته وأيضا الاتحاد الأوروبي، وكادت الأمور تسير على ما يرام في ظل استمرار حالة الضعف والوهن الروسي وانشغال موسكو في المشاكل الداخلية التي تفاقمت بشدة في أواخر التسعينات من القرن الماضي، ولكن مع بدايات الألفية الثالثة تغيرت الأحوال والأوضاع على الساحتين الدولية والإقليمية.

فقد جاءت إدارة المحافظين الجدد في البيت الابيض في واشنطن وجاءت إدارة الرئيس بوتين ذات التوجه القومي الروسي المتشدد في الكريملين، وانشغلت إدارة بوش في واشنطن بإدارة مصالح المحافظين الجدد ومخططاتهم التي سعوا لتنفيذها بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001.

هذه المخططات التي تركز على مناطق معينة من العالم وتهمل مناطق أخرى كثيرة، ولم يحظ الفضاء السوفييتي السابق من إدارة المحافظين الجدد بنفس الاهتمام الذي كان يحظى به في على مدى الأعوام الثمانية من حكم الديمقراطيين في عهد الرئيس كلينتون، حيث ركزت إدارة بوش كل اهتمامها وجهودها في منطقة الشرق الأوسط الغنية بالنفط والمؤهلة بضعف دولها وسيادة الهيمنة الأميركية فيها لتكون ساحة للصراعات والخطط الجهنمية للمحافظين الجدد في البيت الأبيض.

تراجع اهتمام الغرب بأوكرانيا بشكل كبير في نفس التوقيت الذي كانت روسيا تشهد مع نظام الرئيس بوتين نهضة وانبعاثا جديدا، حيث عادت روسيا تلملم أوراقها وتضمد جراحها الداخلية وتنهض باقتصادها، وفي نفس الوقت استغل الكريملين تراجع اهتمام البيت الأبيض بالجمهوريات السوفييتية السابقة فعادت موسكو تستعيد علاقاتها ونفوذها في هذه الجمهوريات، وبالقطع أعطت موسكو اهتماما كبيرا لأوكرانيا باعتبارها الامتداد القومي لها وأكبر الجمهوريات المجاورة وأكثرها أهمية.

وجدير بالذكر هنا أن الثورة البرتقالية التي اندلعت في أوكرانيا في أواخر عام 2004 والتي أتت بنظام حكم موالي تماما لواشنطن والغرب لم تكن من تخطيط إدارة الرئيس بوش ولا المحافظين الجدد بل كانت خطتها معدة من قبل في عهد الرئيس كلينتون، وربما هذا هو السبب في أن إدارة بوش لم تجد التعامل مع هذه الثورة ولم تقدم لها الدعم الكافي، وهو الأمر الذي حذر منه الكثيرون في واشنطن وعلى رأسهم بريجنسكي الذي يعلم جيدا مدى أهمية أوكرانيا بالنسبة لروسيا، ولم تصمد الثورة البرتقالية كثيرا.

حيث لم يمر على سيطرتها على البلاد بضعة أشهر حتى شهدت انقسامات شديدة بين قادتها، في الوقت الذي كانت فيه المعارضة الأوكرانية الموالية لموسكو قد بدأت تلملم أوراقها وتستعيد قوتها على الساحة لتخوض الانتخابات البرلمانية في مارس من العام الماضي وتحقق فوزا ساحقا على البرتقاليين مكنها من تشكيل الحكومة والإمساك بزمام الأمور في البلاد.

الآن يحاول البرتقاليون استعادة ما فقدوه بعد الفوز المحدود الذي حققوه في الانتخابات البرلمانية الطارئة التي أجريت منذ شهرين، ولكن على ما يبدو أنهم في هذه المرة ليسوا بنفس القوة السابقة بعد نجاح ثورتهم، فهم مضطرون للتفاوض والاتفاق مع الحكومة الموالية لموسكو بزعامة فيكتور يانكوفتش، بينما رئيس الدولة فيكتور يوشينكو قائد الثورة البرتقالية لم يعد هو النجم الأول في الساحة البرتقالية بعد أن طغت عليه السيدة الحديدية يوليا تيموشنكا التي فاز حزبها بالنصيب الأكبر من الأصوات في الانتخابات بعد حزب المناطق الموالي لموسكو، بينما جاء حزب الرئيس يوشينكو في موقع متقهقر لا يملك فيه إلا الائتلاف مع الأقوياء.

الآن الأوضاع في أوكرانيا ليست محسومة لا لصالح الغرب وواشنطن ولا لصالح روسيا، ولكن المؤشرات تقول أن وضع موسكو أقوى في ظل استمرار إهمال أوكرانيا من قبل الإدارة الأميركية الغارقة في المستنقع العراقي وفي أحلامها وطموحاتها الشرق أوسطية، في الوقت الذي تملك فيه موسكو أوراق ضغط قوية ورابحة بشكل كبير، وعلى رأسها إمدادات الغاز والنفط لأوكرانيا وارتباط الاقتصاد الأوكراني بالسوق الروسية التي تستوعب وحدها أكثر من 70% من صادرات أوكرانيا.

وهذه الأوراق لا يملك الأوربيون ولا واشنطن بديلا لها يعوض أوكرانيا عن جارتها الكبيرة روسيا، ولكن هذا لا يعني أن المعركة على رقعة الشطرنج العظمى قد حسمت لصالح روسيا، فالأيام المقبلة تحمل لروسيا في واشنطن ما لا يسر ولا يبشر بالخير، حيث الرحيل شبه المؤكد للمحافظين الجدد في إدارة الرئيس بوش في العام المقبل والاحتمال الأكبر بعودة الديمقراطيين للإدارة الأميركية.

وفي الوقت الذي يسر الكثيرين في العالم رحيل المحافظين الجدد فإن الأمر يختلف بالنسبة لروسيا التي تخشى كثيرا عودة الديمقراطيين بمخططاتهم التوسعية تجاه الشرق، وبالقطع ستعود أوكرانيا لتحتل المكانة والأهمية الكبيرة التي كانت عليها في التسعينات، وسيعود اهتمام واشنطن بها يزداد بشكل كبير، وليس من المستبعد أن تكون الخطوة الأولى في هذا الاهتمام ضم أوكرانيا لحلف الناتو، الأمر الذي سيقلب موازين القوى في المنطقة وسيشعل الصراعات أكثر بين موسكو وواشنطن.

وسيكون الوجود الروسي في البحر الأسود مهددا تماما وسيضطر الأسطول الحربي الروسي لمغادرة قواعده على شواطئ أوكرانيا ليبحث له عن مكان آخر في المياه الدافئة، ولا يستطيع أحد أن يتنبأ من الآن بردود فعل موسكو على هذا التطور، خاصة وان الرئيس بوتين لن يكون في الحكم في العام القادم، وإن كان من المتوقع أن يتوجه الأسطول الروسي إلى البحر المتوسط ليرسو في ميناء طرطوس السوري الذي تعده روسيا من الآن ليكون قاعدتها القادمة في المياه الدافئة.

الأمر الذي سيوسع رقعة الشطرنج وساحة الصراعات بين موسكو وواشنطن ويخرجها من حدود الفضاء السوفييتي السابق إلى أشد مناطق العالم سخونة واشتعالا وهي الشرق الأوسط، ولهذا فإن مجيء الديمقراطيين للحكم في واشنطن لن يهدئ الأوضاع بل ربما يزيدها اشتعالا إلى الحد الذي يتوقع معه المراقبون أن تندلع حرب عالمية جديدة تكون ساحتها الشرق الأوسط ووسط آسيا.

كاتب ومحلل سياسي أوكراني