لتبرير مقاطعته مؤتمر «سرت» للسلام قال أحد قادة الفصائل الدارفورية (التي يربو عددها على العشرين) ان من بين المدعوين المشاركين ممثلي فصائل «لا وزن لها».
هذا قول مثير.. لأنه يقود إلى التساؤل عن حقيقة الوزن السياسي لكافة فصائل التمرد الدارفورية دون استثناء وعما إذا كانت مجتمعة أو متفرقة تمثل أهل دارفور جميعاً أو غالبيتهم.
هذا التساؤل لابد أن يطرح بالحاح لأن الاعتراض الأساسي لقادة الفصائل ضد اتفاق أبوجا للسلام لعام 2006 كان يتركز على البنود الخاصة بأمرين مصيريين: أولاً إجراء انتخابات عامة داخل إقليم دارفور.. وثانياً إجراء استفتاء شعبي ليقرر أهل دارفور عامة من خلاله ما إذا كانوا يريدون توحيد الإقليم أو بقاءه كما هو عليه مقسماً إلى ثلاث ولايات: شمالية وجنوبية وغربية.
هذا الاعتراض لابد أن يعكس تهيب قادة الفصائل لهاتين التجربتين وعدم مصداقية إدعاءاتهم بأنهم الممثلون الحقيقيون لأهل الإقليم.
لماذا؟
فلنعد إلى الأذهان أولاً أن التكوين السكاني لإقليم دارفور لا يقتصر على قبائل إفريقية فقط وإنما يضم أيضاً قبائل عربية. ورغم أنه لا تتوافر إحصائيات ديمغرافية مستحدثة إلا أنه ليس من غير المعقول أن القبائل العربية هي التي تشكل غالبية سكان الإقليم.
قادة الفصائل الذين يزحمون المسرح السياسي ويطلعون وينزلون ويظهرون على الشاشات التلفزيونية الغربية مرتدين أفخر البدلات وينتقلون من فندق خمس نجوم إلى آخر في عواصم أوروبية دون أن يسددوا فواتير ويحتفظون بحسابات مصرفية سرية في بنوك سويسرية.
هؤلاء القادة جميعهم ودون استثناء ينتمون إلى قبائل إفريقية أهمها قبيلتا الزغاوة والفور لكنهم يتحدثون في السياق الإعلامي العالمي عن مصير الإقليم وكأن القبائل العربية لا وجود لهما على الإطلاق.
ورغم حالة التشظي التي انتظمت هذه القيادات وفصائلها فجعلتها تتعدد من فصيلين إلى أكثر من 20 فصيلاً ورغم ما أصابها من شحناء ناشئة عن تضارب الأجندة والطموحات الذاتية إلا أن هناك حلماً مشتركاً يتمثل في إعادة توحيد إقليم دارفور تمهيداً لتحويله إلى كيان سلطوي يخضع للسيطرة القبلية الإفريقية.
هذا الحلم سوف يتبدد قطعاً إذا أجريت انتخابات عامة نزيهة وحرة واستفتاء شعبي يشارك فيه أهل الإقليم جميعاً بكافة قبائلهم.. الإفريقية منها والعربية.
من هنا فإن اعتراض قادة الفصائل ذوي البدل «آخر موضة» ليس قاصراً على اتفاق أبوجا.. ذلك أن أي عملية تفاوضية لإنهاء حالة الحرب في الإقليم وإحلال السلام ستؤدي بالحتمية عند نهاية المطاف إلى انتخابات واستفتاء يعكسان الوزن السياسي لكل من مجموعة القبائل الإفريقية ومجموعة القبائل العربية.
نفهم إذن لماذا يعمد قادة التمرد إلى نسف أي مبادرة للتفاوض السلمي لأنهم بطبيعة الحال لا يستطيعون أن يجهروا بالقول بأن هدفهم الأوحد لمصير دارفور هو استئثار القبائل الإفريقية بالإقليم.
ونفهم كذلك لماذا تنحصر مراهنتهم في السند الغربي. إنهم يتذرعون بشتى الذرائع الإجرائية لإحباط أي مسعى للسلام من أجل شراء الوقت انتظاراً لوصول القوة العسكرية «الدولية» إلى الإقليم لتحقق لهم بالقوة الحربية القمعية ما هم عاجزون عن تحقيقه بالوسائل السياسية السلمية.
ولكن هناك سؤال معلق: لماذا انتقلت دارفور من قضية قبلية محلية إلى رأس أولويات أجندة القوى الغربية؟