حدد خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، شرطاً واضحا لنجاح مؤتمر السلام الذي ترعاه الولايات المتحدة، حيث رأى في حديثه المهم لهيئة الإذاعة البريطانية أن هذا النجاح يتوقف على مدى الجدية في التعامل مع المسائل التي تهم العرب والمسلمين، قاطعا بذلك الطريق أمام من يحاولون جعل هذا المؤتمر مجرد مناسبة لالتقاط الصور، وتبادل الابتسامات، تمهيداً لدفع عجلة التطبيع المجاني مع إسرائيل.

وواقع الحال أن هذه الجدية لم تتوافر حتى اللحظة، فالداعون للمؤتمر يكتفون بتصريحات براقة، ويرفضون الضغط على إسرائيل لإعلان التزامها بقرارات الشرعية الدولية قبل الذهاب للمؤتمر. كما أنهم يرفضون تحديد المرجعية التي ستنطلق منها الاجتماعات، رغم علمهم بمدى اختلاف الأطراف المدعوة حول هذه النقطة المحورية.

أكثر من ذلك، لم يحدد رعاة المؤتمر الهدف المراد منه، ولما حاصرتهم الضغوط قالوا إنهم يأملون في إصدار وثيقة فلسطينية إسرائيلية تكون أساسا لمفاوضات جديدة، ما يعني أن المنطقة ستكون مدعوة، لا إلى السلام، وإنما إلى متابعة مسلسل جديد من لقاءات واتصالات لا يعرف المشاركون فيها إلى أين تصل.

والأهم أن الراعي الأمريكي ترك لحلفائه الإسرائيليين الفرصة كي يتلاعبوا بالمناسبة، ففي البداية ظل رئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود أولمرت يتحدث بكلمات فضفاضة عن السلام الذي يحلم به، والعيش الآمن إلى جانب دولة فلسطينية، ورغبته في إقامة علاقات دبلوماسية مع الدول العربية، ثم عاد لاحقا ليقول إن كل ما يمكن تحقيقه في المرحلة الحالية هو فتح الطريق أمام مفاوضات بناءة تدعم موقف "المعتدلين الفلسطينيين" في مواجهة خصومهم "الرافضين لعملية السلام".

في الوقت نفسه، أظهرت تصريحات القادة الإسرائيليين الآخرين أن هدف تل أبيب من المؤتمر ليس تحقيق السلام، وإنما استغلال المناسبة للفوز ببعض التعهدات الرسمية الفلسطينية الخاصة بمحاربة ما تسميه الإرهاب، واختراق الموقف العربي الرافض للتطبيع، فضلا عن إقناع الرأي العام العالمي بأن إسرائيل لا تمانع في تحقيق تسوية للصراع بالمنطقة.

إن الجدية التي تحدث عنها خادم الحرمين الشريفين، تعني فيما يخص إسرائيل الانسحاب من كامل الأراضي العربية التي اغتصبتها في عام 1967 بما في ذلك القدس الشريف والجولان السوري ومزارع شبعا اللبنانية، والسماح بعودة كافة اللاجئين إلى وطنهم مع تعويضهم عن عقود المعاناة التي عاشوها، فضلا عن القبول بقيام دولة فلسطينية مستقلة وصاحبة سيادة بمعايير القانون الدولي. كما أنها تعني بالنسبة للراعي الأمريكي أن يتخلى عن انحيازه، ويستخدم ما لديه من نفوذ لإجبار تل أبيب على الالتزام بالقرارات الدولية، وعلى التوقف عن سياستها التوسعية الإجرامية التي غيبت السلام عن منطقتنا لأكثر من نصف قرن.