تنعكس التغيرات الطارئة على المجتمعات في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية على حياة الأفراد فيها الذين يسعون للتكيف مع هذه التغيرات والاستفادة من إيجابياتها ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً.

وقد تكون التغيرات التكنولوجية هي أحد أهم المتغيرات التي يشهدها العالم والتي اكتسبت أهمية بالغة لاستجابة الأفراد لها بشكل كبير نتيجة ما أحدثته وما فرضته من أنظمة أصبحت يضطر الجميع لتعلمها واكتسابها حتى لا يتوقف أي فرد في مكانه، في الوقت الذي تتحرك فيه قاطرة التكنولوجيا. وكما أن للتكنولوجيا آثارا إيجابية لا ننكرها إلا أن لها أيضا آثارا سلبية لا يمكن غض الطرف عنها.

ويمكن الاستشهاد على ذلك بمثالين هما الهواتف المتحركة، والآلات الحاسبة. الهواتف المتحركة للأسف الشديد على الرغم من إيجابياتها والخدمات التي تقدمها إلينا في مجال الاتصال،إلا أنها ألغت بشكل كبير وملاحظ اعتمادنا على ذاكرتنا الشخصية في الحفظ والاسترجاع إذ أصبح غالبيتنا يعتمد على تخزين أرقام الهواتف دون تكلف عناء حفظها واسترجاعها ولو من باب تمرين الذاكرة.

وبالتالي أصبحنا أسرى للهواتف المتحركة التي إن ضاع أحدها منا فقدنا أرقام وعناوين اتصالات كثيرة لم تجد طريقها إلى ذاكرتنا. فإذا كان هذا تأثير هاتف متحرك اعتمدنا عليه في الحفظ والتخزين، فكيف نتصور حال طلاب المدارس الذين يسمح لهم النظام التعليمي اليوم بإدخال الآلات الحاسبة إلى امتحانات التقويم والامتحانات النهائية للاستعانة بها، وذلك للصفوف من الرابع وحتى الثاني عشر؟!.

ما الذي نسعى إليه من تمرير واعتماد قرار كهذا يجعل الطالب معتمداً وفي سن مبكرة على الآلة الحاسبة لحل المسائل الحسابية، بدل الاعتماد على قدراته الذهنية التي أتاحت لغيره من الطلاب في السابق تحصيل أعلى النتائج في مادة الرياضيات. هل طلابنا اليوم يقبلون على الاستذكار والحفظ كما كان الجيل القديم يفعل ذلك، فإذا كان الجواب بلا فلماذا ندخر عليه الكثير في التعلم برفاهية تقلل من قدراته، وتجعله غير قادر على الانفصال عن هذه الآلات الحاسبة التي نعتقد أنها ستكون سبباً في تراجع مستواه في مادة الحساب لدرجة أننا قد نجده صفحة بيضاء ـ فيما لو فقد تلك الآلة، ولم تحملها يداه.

الطالب في الصف الرابع قبل سنوات كان لا ينتهي من دراسة هذا الفصل الدراسي إلا وقد حفظ جداول الضرب، واعتمد عليها في حل كثير من المسائل الحسابية دون الاعتماد على أوراق طبعت فيها الجداول، ودون استخدام آلات حاسبة تهمش العقول وتهدر طاقاتها.

وكانت النتيجة في السنوات الماضية وجود جيل متفوق في مادة الرياضيات، قادر على إجراء العمليات الحسابية في زمن يتناسب مع المرحلة العمرية التي ينتمي إليها. لكن ما الذي نتصوره فيما لو حلت الآلات الحاسبة محل الذاكرة في هذه السن المبكرة التي يشير إليها القرار والتي لا تتجاوز العشر سنوات؟

كيف سيصبح حال هذا الجيل الذي نشهد مصرعه على مستجدات التكنولوجيا التي أثرت في بعض جوانبها سلبياً في شخصية الطفل لاسيما في مجال الألعاب وما تسبب فيه من سلوكيات عدوانية وعنيفة. لسنا ضد استخدام الآلات الحاسبة لكن ليس في هذه السن المبكرة التي نأمل منها مضاعفة الجهود لتمكين الطالب من اعتماده على قدراته الذهنية وبنائها وتطويرها .

كما يحدث في الدول المتقدمة، ففي ماليزيا التي أثبتت نجاح نظامها التعليمي، تركز في مناهج الرياضيات على العمليات الذهنية لإجراء الحسابات بعيداً عن أدوات التكنولوجيا أو الحبر والورق. فإذا كان هذا حال الدول المتقدمة في حرصها على تطوير قدرات هذا الجيل ومنحه الأدوات التي تجعله في منأى عن تجميد طاقاته وقدراته، فلماذا يذهب تعليمنا بالأجيال إلى منطقة لا تعرف لها حدوداً ولا أهدافاً؟

تطوير التعليم لا يعني تجاوز المرتكزات والثوابت والأسس التي تنطلق من قدرات الإنسان وإمكاناته، ولا تعني إتباع متغيرات العصر بايجابياتها وسلبياتها دون تمحيص ودون انتقاء ما يتناسب منها مع متطلباتنا واحتياجاتنا.

فهل من مجيب لدعوتنا بالتراجع عن هذا القرار الذي نخشى أن يكون الضربة القاضية التي تستهدف عقول هذه الأجيال بعد الفضائيات ومتغيرات المجتمع التي اقتلعت كل جميل؟

maysaghadeer@yahoo.com