مؤتمر المعرفة الأول الذي أنهى أعماله واجتماعاته منذ يومين يحتاج منا كمتابعين ومعنيين بالشأن الثقافي والمعرفي العربي عامة وفي الإمارات على وجه الخصوص أن نتوقف عنده، وأن نقرأه جيداً من حيث أهميته في هذه المرحلة، والتوقيت، ومن حيث دلالة انعقاده في الإمارات .
وفي دبي على وجه التحديد، ومن حيث الأسئلة الكبيرة التي طرحتها جلساته وموضوعاته على واقع المعرفة والثقافة العربية، وأداء النخب الحاكمة والمثقفة في فضاء المعرفة، هذا في قرون العرب التي تلت عصر النهضة والتنوير العربيين.
ان التحدي الذي أطلقه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد في وجه المجتمع العربي كان ولا يزال هو التحدي الأكبر الذي لم يستطع أن يجيب عن أسئلته، كما ولم يستطع أن يثبت أي مقدرة في مواجهته، ان تحدي إصدار ألف كتاب أو حتى أقل من ذلك ظل اشكالاً يعبر عن أزمة معرفة، وأزمة حرية، وأزمة تمويل، وأزمة نشر وأزمة وعي وهذه الأخيرة هي الأهم في كل الأزمات، ناهيك عن أهمية وخطورة موضوع الحرية في قضية النشر والتأليف والترجمة..
وهنا فإن واقعاً جديداً يتبناه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد عن طريق مؤسسته التي ستتيح الفرص لأهل المعرفة من أجل تجاوز هذه الأزمات، وتحقيق هذا الأمل.. ان تتحول إلى أمة تنتج المعرفة تأليفاً وترجمة ونشراً وتوزيعاً كما تنتج أزماتها السياسية واحباطاتها وخلافاتها!
علينا بالفعل أن نتوقف طويلاً أمام هذه الفرصة وأن نعي بأن إنتاج المعرفة هو طريقنا الوحيد من أجل مستقبل أفضل، وهنا فإن فرصة تاريخية متاحة للدخول على خط هذا الإنتاج علينا اغتنامها قبل ان نبادر في إنتاج عبارات التشكيك والإحباط واختلاق التهم.. ذلك أننا أفضل أمم الأرض في انتهاج كل ما يقود إلى الهزيمة وكأننا اقتنعنا فعلاً بأن الهزيمة قدرنا وبأن علينا أن نرضى بهذا القدر دون أدنى محاولة للدفاع أو الخلاص!
لقد قال المثقفون وأهل العلم والمفكرون الذين تداولوا الجلوس على منصة المؤتمر كلاماً كثيراً، بعضهم قد كرر ما قاله في مناسبات سابقة وبعضهم أعاد استنهاض الأمل في داخله، وبعضهم رسم صورة قال البعض إنها سوداوية عن الواقع.
وبعضهم عبر عن أفكاره بشكل أثار سخط البعض، وبعضهم.. وبعضهم.. ذلك كله مطلوب ومهم إذا أردنا أن نذهب لإنتاج المعرفة ـ فالمعرفة ليست يقين العجائز البارد، وليست دروشة أو هلوسة، المعرفة هي العلم، هي التفكير، هي العمل، هي إنتاج كل ما من شأنه أن يضعنا على خريطة الأمم المتقدمة من كل إنتاج كل أدوات ووسائل التقدم وبأيدينا لا بأيدي الآخرين..
وهذا كله يحتاج الحرية أولاً، ويحتاج الاختلاف، ويحتاج القبول بالخلاف والاختلاف والرأي الآخر.. وأولاً وقبل كل ذلك يحتاج أموالاً طائلة تضخ وتمول هذه الصناعة الضخمة وهذا الاستثمار المكلف.. إنه استثمار العقل لصناعة الغد ـ وهو استثمار يستحق التحدي والحماس الذي يبديه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد.
