يعرّف الأطباء والمختصون في علم النفس مرض انفصام الشخصية أو «اضطراب الفصام العقلي» بأنه مرض نفسي شديد مزمن. وحسب التعريف الأميركي «مجموعة من التفاعلات الذهنية التي تتميز بالانسحاب من الواقع والتدهور في الشخصية، مع اختلال شديد في التفكير والوجدان والإدراك والإرادة والسلوك»، وعلاجه يتطلب وقتاً طويلاً وقد يستمر مدى الحياة.
ومن أعراض هذا الداء عدم القدرة على التركيز، والهلوسة وفقدان الصلة بالواقع، والمصاب به يعتقد انه مراقب من قوى خارجية تضع أفكاراً في عقله، ويكون لديه أحيانا وازع ديني قوي واعتقادات غير طبيعية عن مهام أو رسالة لتصحيح أخطاء وآثام العالم وإصلاح شؤونه!
ويصيب «الفصام» الرجال والنساء في مختلف الأعمار، ويمتد تأثيره إلى أسرة المريض وأصدقائه، ويتعرض له شخص واحد من كل مئة فرد على مستوى العالم. لكن يبدو أن هذه الأعراض لا تصيب الأفراد وحدهم، وإنما قد تصيب الجماعات والدول أيضا.
هكذا على الأقل تبدو الولايات المتحدة الأميركية من خلال سياساتها العامة وسياستها الخارجية تحديدا منذ نصف قرن، لكنها بلغت أوجها وذروة انفصامها في ظل الإدارة الحالية، وخاصة بعد أحداث 11 سبتمبر وتداعياتها، فهي تنهي عن الأمر وتأتي مثله وتدعو إلى الشيء وتفعل نقيضه.
وإلا فكيف يمكن لدولة تعلن محاربة الرق وتدعو لإلغائه، أن تمارس هي نفسها، أو تحاول، استرقاق شعوب وأمم بكاملها؟ وكيف لهذه الدولة أن تدعي حماية الحرية والزعامة الديمقراطية ورعاية حقوق الإنسان، بينما تضع القيود فوق القيود على حريات مواطنيها وتتجسس عليهم وتنتهك خصوصياتهم، وتقيم المعتقلات والسجون السرية التي يُحرم نزلاؤها من كافة حقوقهم الإنسانية ويتعرضون للتعذيب دون أي وازع قانوني أو أخلاقي، فضلا عن احتلال أراضي الغير والاستيلاء على مواردهم بالقوة العسكرية، وخارج نطاق الشرعية الدولية؟!
بالطبع، لا يمكن لعاقل أن يرغب في معاداة دولة عظمى تمتلك من الإمكانيات الاقتصادية والتطور التقني ما تمتلكه الولايات المتحدة، أحرى أن يسعى إلى ذلك. والشعب الأميركي خليط من كافة الأجناس والشعوب، ولا مصلحة لهذه الشعوب في معاداته فكل شعب ممثل فيه، أما الحب والكراهية فشأن عاطفي بحت، لا يخضع للمنطق العقلي، ولا مكان له في السياسة ولا ينبغي أن يكون.
فالسياسة تتطلب عقلا راجحا وتفكيرا واعيا يزن الأمور بدقة ويراعي حجم القدرات وواقع التوازنات، وينظر في العواقب والنتائج قبل الفعل وقبل اتخاذ القرار، لكن ماذا يمكن أن يحدث للعالم سوى الانفجار في وجه قوة عظمى تعاني خللا في الرؤية والإدراك، أو تتصرف وكأنها كذلك، تستمتع بإشعال الحروب وتتسلى بإثارة النزاعات وافتعال الأزمات، وترى نفسها فوق الجميع وتشهر قوتها ضد الجميع؟
فالضغط يولد الانفجار، حسب القانون الفيزيائي المعروف، وطبيعي أن يأخذ هذا الانفجار أشكالا متعددة ومختلفة، بسبب عدم تكافؤ القوة من ناحية وحسب الإمكانيات المتاحة من ناحية أخرى، سواء على مستوى الجماعات والشعوب أو على مستوى الدول التي تجد مصالحها وأمنها عرضة لمخاطر تستوجب الدفاع والمواجهة.
وقد يكون رد الفعل من نفس نوع الفعل المختل، كما نرى عند بعض الجماعات التي ترتكب باسم الدين، أي دين، ما يناقض كل الشرائع والأديان، وخاصة الديانات السماوية التي تدعو إلى المحبة وتأمر بالعدل والإحسان وتقوم على أساس أنه «لا إكراه في الدين»، «ولا تزر وازرة وزر أخرى».
لقد عانت البشرية طويلا من حروب مدمرة وأزمات خانقة دفعتها، عبر أجيال متعاقبة، إلى البحث عن حلول وعلاجات تحد من مخاطر الحروب وأسبابها، إن لم تستطع تفاديها كليا، فكانت الاتفاقيات والمواثيق العديدة التي وضع على أساسها القانون الدولي كمرجعية للعلاقات الدولية وحل النزاعات بين الدول بالوسائل السلمية دون اللجوء إلى القوة.
وبموجب القانون الدولي تم إنشاء هيئات ومنظمات دولية مثل «عصبة الأمم» ووريثتها «الأمم المتحدة»، لتكون بمثابة جهة تحكيمية وتنفيذية مهمتها حماية السلم والأمن الدوليين والعمل على تطبيق القانون والشرعية الدولية على مستوى العالم.
وكانت الولايات المتحدة، بميراثها الدستوري وإمكانياتها المادية والتكنولوجية الهائلة، مهيأة لزعامة هذا العالم في ظل الأحادية القطبية في النظام السياسي الدولي بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، لكن غرور العظمة وإغراءات القوة جعلت أميركا تبدو مجرد سلطة دكتاتورية عالمية لا تريد سوى الهيمنة والتسلط، دون اعتبار لآراء الآخرين أو مراعاة لمصالحهم الحيوية، وكأنها في حالة انفصام كامل عن الواقع وتجاهل لموازين القوى الدولية القائمة أو الكامنة.
فإذا كان انفصام الشخصية الفردية يحتاج إلى علاج مكثف وطويل الأمد، فمن يستطيع أن يعالج الولايات المتحدة من انفصامها السياسي المزمن؟!