في اليوم العالمي للحق في الغذاء (منتصف أكتوبر /2007 ) أعلن الأمين العام للأمم المتحدة «بان كي مون» بأنه «على الرغم من أن الحق في الغذاء هو حق من حقوق الإنسان إلا أنه يوجد 854 مليون شخص في العالم يعانون من الجوع المزمن»®.
أما الدكتور جاك ضيوف المدير العام لمنظمة الأغذية والزراعة «فاو» فقال في رسالته للعالم بالمناسبة «بأن كوكب الأرض ينتج أغذية بكميات ونوعية كافية لإطعام سكان العالم أجمعين، ومع ذلك، سوف يخلد هذا المساء أكثر من ثمانمئة وخمسين مليون شخص إلى النوم بمعدات خاوية. .. وهو رقم لا شك مفزع .. فالجوع أكثر من معدة خاوية.. إنه عدم القدرة على الحصول على ما يكفي من الغذاء .. وعدم القدرة على الحصول على التنوع اللازم لتلبية الاحتياجات الغذائية ...
ومن هنا فمن الطبيعي أن تستثير حالة الجوعى في العالم اهتمام الكثيرين في العالم لما لهذه الأوضاع من تداعيات خطيرة تمس الأمن الوطني والقومي والدولي.. ناهيك عن الأمن الشخصي للأفراد كمواطنين أسوياء ... فقبل أكثر من عقد من اليوم (أي في عام 1996) انعقد مؤتمر القمة العالمي للأغذية .. وحدد الزعماء أهداف الأمم المتحدة الإنمائية للألفية، فكان منها هدف «خفض عدد الجياع في العالم بمقدار النصف بحلول عام 2015»®. وللمتابعة قامت الأمم المتحدة بتعيين (جان زيجلر) مقرراً خاصاً لديها حول الحق في الغذاء.
وفي عام 2002 انعقدت بمدينة «مونتيري» في المكسيك قمة عالمية شارك فيها ستون رئيس دولة وحكومة لمعالجة قضايا الفقر والجوع في عالم الجنوب وما يتصل بهما من نقص التغذية وشيوع الأمراض في الأقطار المتخلفة الفقيرة أو الأشد فقراً. وكانت الغاية من عقد قمة «مونتيري» منحصرة في محور وحيد: «التمويل اللازم للتنمية»: ما مبلغه؟ وما هي نسبته؟..
وفي ذات السياق فإن الأمم المتحدة.. في إطار برنامجها المسمى «المعونة العامة للتنمية»®. كانت قد حددت المبالغ الواجب دفعها بنسبة 7,0 بالمئة من حجم ثروة كل بلد غني يدفعها لصندوق البرنامج.
أما منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة «الفاو» فقد اختارت شعار «الاستثمار في الزراعة من أجل الأمن الغذائي» ليكون شعاراً لاحتفالها بيوم الغذاء العالمي لعام 2006..
في حين أنه في عام 2006 قدم برنامج الغذاء العالمي مساعدات غذائية لأكثر من 87 مليون شخص في نحو 78 دولة إضافة إلى اضطلاعه بدور ريادي في مكافحة الجوع.
على صعيد الدول الإسلامية فقد تم تأسيس البنك الإسلامي للتنمية في عام 1975 .. برأسمال مصرح به يبلغ أكثر من 22 مليار دولار .. كان من بين أهدافه تمويل بعض المشاريع والتجارة وتقديم المساعدات للدول الإسلامية المحتاجة ومكافحة الفقر فيها.. لكن سرعان ما بدأ البنك يعاني من مصاعب كثيرة منها عدم تمكنه من استعادة بعض قروضه لدى الدول الإسلامية الفقيرة (مما أثر على أنشطته الخيرية الأخرى ومنها مساعدة الفقراء)..
هذا بعض من جهود دولية على الصعيدين الحكومي والدولي والخاص .. كما تشارك في الحملة العالمية لمكافحة الجوع قوى ومنظمات مجتمع مدني على المستوى العالمي كذلك.
ولكن من اللافت في مقاربة معضلة الجوع والفقر أن هناك جملة من المفارقات تعتور خطاب التنمية وجهود المكافحة لعل منها على سبيل المثال:
1ـ على الرغم من أن أحد أهداف الألفية قد ركز على «خفض معدلات الجوع إلى النصف بحلول 2015»، إلا أنه وبعد انقضاء أكثر من عقد على ذلك القرار فإن هناك أربعة ملايين جائع ينضمون إلى نادي الجوعى ( في مواجهة نادي المترفين والمتخمين).. في الوقت نفسه فإن هناك خمسة عشر مليون فقير يموتون جوعا كل عام في الدول الفقيرة.
2ـ تؤكد الدراسات أن حجم ما ينتجه العالم من الغذاء يكفي لضعف سكان الأرض أي 12 مليار إنسان، ومع ذلك فإن سدس سكان الكرة الأرضية يعانون من الجوع (بحسب جان زيجلر المقرر الخاص للأمم المتحدة حول الحق في الغذاء)
3ـ بالرغم مما تحقق في العديد من بلدان العالم من زيادة في كميات ونوعيات الإمدادات الغذائية .. فإن أعداد الجوعى قد ازداد في بلدان أخرى.
4ـ ورغم أنه انخفضت نسبة من يعانون من نقص غذائي مزمن وفي العالم النامي إلى نحو النصف (في الأعوام 1995ـ 1997)... إلا أنه مازال هناك (في عام 2007) أكثر من 850 مليون نسمة لا يحصلون على الغذاء الكافي لتلبية احتياجاتهم الغذائية بالكامل.
5ـ وتتجلى المفارقة الأكبر في ميزانية منظمة الأغذية والزراعة الدولية (المعنية بمحاربة الجوع في العالم ) فهي لا تزيد على 350 مليون دولار في العام.. بينما يبلغ عدد الجوعي 854 مليونا.. مما يعني أن نصيب كل جائع لا يزيد على أربعين سنتا في العام .. هذا في حالة أن المنظمة لا تنفق شيئا على إدارتها، ومع ذلك فإن كثيرا من الدول لا تساهم في دفع ميزانياتها في المنظمة وعلي رأسها الولايات المتحدة الأميركية (بحسب الدكتور جاك ضيوف المدير العام لمنظمة الأغذية والزراعة).
إن للجوع تكاليفه فإلى جانب تكاليفه الصحية والأخلاقية والروحية، فإن تكاليفه الاقتصادية والسياسية المباشرة وغير المباشرة تبدو باهظة جداً.. فالتكاليف المباشرة تشمل معالجة المشكلات والأمراض التي يتسبب بها..
وتشير تقديرات تقريبية لمنظمة الأغذية والزراعة الدولية (الفاو) إلى أن هذه التكاليف المباشرة قد تتراكم لتصل إلى قرابة 30 مليار دولار سنوياً، أما التكاليف غير المباشرة لخسائر الإنتاجية والدخل، والتي تنجم عن مشكلاتٍ ترتبط بالجوع المزمن فتتجلى بالموت المبكّر، والعجز، والتغيّب عن العمل، وندرة الفرص التعليمية والحرفية.
وتشير حسابات المنظمة إلى أن هذه التكاليف غير المباشرة يمكن أن تناهز مئات المليارات من الدولارات، وأصبحت تشكل معوقاً كبيراً لجهود التنمية القومية في بلدان العالم، فما هو المطلوب لمواجهة هذا التحدي الذي يبدو الأخطر؟
إنه وبالنظر لتعدد الأوجه التي تتجلى فيها معضلة الجوع.. وبالنظر لتعدد العناصر المتداخلة في تشكيلها وتعقيداتها فإنه لا بد من استراتيجية تدخل وعلاج متعددة المسارات.. أولها عاجل يقوم على توفير مساعدات غذائية أفضل للمعوزين، وثانيها يتجلى في تحسين فرص توفير الغذاء من خلال استخدام الأغذية المنتجة محلياً.. مما قد يؤدي إلى رفع مستويات الدخل وتحسين معدلات الأمن الغذائي..
وثالثها دمج الفقراء في العملية الإنمائية.. ورابعها إبداع وسائل التمويل والتدريب والتأهيل وضبط الجودة لتحفيز التسويق، ولعله من نافلة القول الإشارة إلى أن الاستثمار في العنصر البشري وتنميته ومعالجة معضلاته وقضاياه هو الاستثمار الأكثر استمرارية..
فقد دلت إحصاءات منظمة الأغذية والزراعة الدولية أن زيادة الإنفاق على مكافحة الجوع بمقدار 24 مليار دولار فقط سنوياً سيجعل من تحقيق أهداف الألفية للتنمية أمراً ممكناً.. إن الحد من الجوع عبر برامج التنمية الزراعية في الريف يجب أن يتزامن مع تنفيذ برامجٍ تستهدف المساعدة في توفير الغذاء وتأمينه.. ونشر شبكاتٍ الأمان الاجتماعي.
خلاصة القول فإن أرقام الجوع العالمية مفزعة وغير مقبولة وتشير إلى تردي أخلاقي وإنساني.. ورغم ذلك فإن طريقة التعاطي مع هذه الآفة لا يمكن أن يحقق الأهداف المنشودة أو أن يفي بالحدود الدنيا مما هو مطلوب.
إن التقدم المحرز باتجاه القضاء على الجوع ليتسم بالبطء باعتراف الأمين العام للأمم المتحدة ( بان كي مون )... فإذا ما تواصل التردي في حالة حقوق الإنسان في العالم فإن القضاء على الفقر والجوع يصبح بعيد المنال.. لا بل آفاق تحقيق هدف خفض الجوع بحدود النصف بحلول عام 2015 تبدو مستحيلة (بحسب جاك زيغلر) 2015.
ففي زمن الجوع وسوء التغذية، تتفاقم المعاناة.. وتزدهر الكراهية والعنف.. فيأكل الأخ لحم أخيه ولا يبالي.. فيحلل المحرمات ويتجاوز الخطوط الحمراء.. فتعم الفوضى والجريمة وتغيب الحكمة والرشد وتختلط الألوان، للجوع تداعياته الإنسانية والأخلاقية فضلاً عن تداعياته الاقتصادية والسياسية والأمنية ..
ونستذكر في هذا السياق حكمة علي بن أبي طالب ـ كرم الله وجهه ـ ( لو كان الفقر رجلاً لقتلته) إن الحرب على الجوع ستبقى تراوح مكانها، أو تدور في حلقة مفرغة بين اشتراطات الهيمنة الغربية وظروف الدول الفقيرة.. وتؤكد في كل يوم بأن محاربة الفقر والجوع من قبل الدول الكبرى ليس إلا هراءً مكشوفاً، فما لم يدرك العالم وحكماؤه الروابط الأكيدة بين التنمية وحقوق الإنسان والأمن.. فإن أمن العالم وسلامه سيبقى في عين العاصفة.. ناهيك عن الانهيارات الأخلاقية والإنسانية حين يصبح ضبط إيقاعها مستحيلاً آنذاك؟
برلماني وخبير قانوني أردني