إنّ الحديث عن النهضة العلمية والفكرية التي ازدهرت في بلاد المسلمين في زمن مضى وغاب، قد يستغرق مقالات كثيرة، ولكني في هذا الجزء من المقال أريد فقط أن ألفت النظر إلى جوانب منها. أما تغطية الموضوع فإنه غير ممكن في مثل هذا المكان. أقول هذا ردًّا على بعض القراء الذين تفاعلوا مع مقالي الأسبوع الماضي، والذين تساءلوا: لماذا تغيب مثل هذه المعلومات عنّا؟ ولماذا لا يعرفها أبناؤنا في المدارس؟ ولماذا نغيّب هذا التاريخ المشرق عن مناهجنا في التعليم العام؟

والحقيقة أنني لا أودّ الخوض في مثل هذه المسائل لأنها تحتاج إلى مساحات كبيرة. وكان الهدف مما كتبت هو التذكير بإرث عظيم شيّدت عليه حضارة الغرب، ولكنه يلاقي النكران والتغييب وعدم الاهتمام، لا من الغرباء فحسب، ولكن من أبنائه الذين يشبّون شبه منقطعين عنه، لا تربطهم به وشائج القربى، ولا تقربّهم منه أدوات المعرفة والتعلم.

وسأقتصر في حديثي اليوم على الطبّ، فقد كان للعرب والمسلمين في هذا المجال أياد بيضاء، وسبق كبير، وإنجازات قد لا يصدقها الكثيرون منا، وما زلت أستقي معظم ما أقدمه هنا من كتاب المستشرقة الألمانية هونكه، مع أنني أحيل القارئ إلى الموسوعة العربية العالمية التي قدمت مادّة جيدة في هذا الموضوع تحت مدخل «العلوم عند العرب».

تقول هونكه في وصف واقع الطب في أوروبا في الوقت الذي كان الأطباء العرب فيه قبلة للناس من كل حدب وصوب «أيد توضع، وشيطان يُطرد، وصلاة تقام، تلك كانت الوسائل المفضلة في المعالجة التي حاول بها أطباء أوروبا ـ عن طريق مسوح الكهنوت والرهبان ـ إنقاذ الإنسانية المريضة وتخليصها من براثن الداء والألم».

أما العرب فقد «كانت المستشفيات الكبيرة (عندهم) بمثابة مدارس عالية للطب، وكان الطلاب يتلقون فيها علومهم، ويتعلمون كل ما قاله أبو قراط وجالينوسن وما جاء به أساتذتهم العرب الكبار أنفسهم، وكانوا يستمعون إلى كل هذا أيضا في باحات الجوامع، وفي مدارس خاصة طبية يديرها أطباء معروفون.

هذا، وبينما طلاب العلم في بلاد الغرب يسهرون الليالي درسا وحفظا على ضوء الشموع في قاعات الأديرة كانت التجربة العملية هنا تسير مع العلم جنبا إلى جنب، وتجابه النظريات، على أسرّة المرضى، حقائق المعاينة والكشف وحقائق التجارب».

أما مؤلفاتهم في مجال الطب فيكفي فقط أن نستشهد بكتاب الرازي، الذي بقي «المرجع الأساسي في أوربا لمدة تزيد على أربعمائة عام دون أن يزاحمه مزاحم». ولم ينكر الفرنسيون مكانة الرازي، وقيمة مؤلفاته وأثرها الكبير في دفع مسيرة علم الطب في بلادهم إلى الأمام «فأقاموا له نصبا في باحة القاعة الكبيرة في مدرسة الطب لديهم، وعلقوا صورته وصورة عربي آخر في قاعة كبيرة تقع في شارع سان جرمان، حتى إذا ما تجمع فيه اليوم طلاب الطب وقعت أبصارهم عليها، ورجعوا بذاكرتهم للوراء يسترجعون تاريخه».

أما علم الجراحة فقد سجل العرب فيه أمجادا قد لا يصدقها القارئ اليوم فقد استطاع الجراح الأندلسي أبو القاسم الزهراوي الذي أن يحقق فيه نجاحات عظيمة، فقد «درّس علاج تشويهات الفم والفك باستعمال عقّافة لاستئصال الأورام الليفية في الأغشية المخاطية، ونجح في عملية شق القصبة الهوائية، ووفق أيضا في إيقاف نزيف الدم بربط الشرايين الكبيرة، كما أنه علّم تلاميذه كيفية تخييط الجروح بشكل داخلي لا يترك شيئا مرئيا منها، والتدريز المثمّن (نسبة إلى ثمانية) في جراحات البطن، واستعمل الخيطان المستمدة من أمعاء القطط (لأنها بعد التحام الخياطة تذوب من تلقاء نفسها)».

ولعل أهم خدمة جليلة أدخلها الأطباء العرب في علم الطب هو استخدامهم «المُرْقِد» أي المخدر في العمليات الجراحية، على الرغم من أنّ هذا الأمر ينسب خطأ ـ كما تقول هونكه ـ إلى طبيب إيطالي «في حين أنّ الحقيقة تقول والتاريخ يشهد أنّ فن استعمال الإسفنجة المخدرة فن عربي بحت».

وقد يعجب القارئ ويتأثر كثيرا وهو يقرأ ما كتبته هونكه عن ابن سينا، فقد جاء ما كتبته بلغة تنطق بالإعجاب الشديد والتقدير الذي قلّ أن نجد له نظيرا، فقد كتبت تقول في وصف كتابه الشهير «القانون» الذي تتلمذت أوروبا كلها عليه قرونا طويلة «وأية عظمة وأية عبقرية هذه التي جمعت كل هذه المعارف النظرية والعملية للطب في كل فروعها، ونظمتها بشكل فريد في نوعه.

ودبجتها ببراعة هي البلاغة والأصالة بعينها، فأصبح الكتاب تحقيقا هاما فريدا في نوعه بين كتب الطب في كل العصور، (فالمقدرة) الفائقة وروعة التصوير العظيمة عند ابن سينا ككاتب قد بهرتا العالم بقوة، ذلك أنّ الرئيس قد تفوق على الجميع بتنظيمه المنهجي، وبتقسيمه المنطقي، وبوضوحه البليغ، وبترتيبه الباهر وتماسكه المحمود.

نقول لقد تفوق بهذا كله على «طرق جالينوس المعقدة حينا والعقيمة أحيانا، لقد وفق ابن سينا في إلقاء الظل على شهرة جالينوس والإغريق، وما العربي الثاني الذي يظل بعينيه الثاقبتين في القاعة الكبيرة في مدرسة الطب بباريس إلا ابن سينا، أعظم معلمي الغرب خلال سبعمائة سنة».

هذا ما كتبته هونكه وهي تتحدث بإعجاب وتقدير شديدين عن علماء العربية، وقد أشارت إشارات بليغة عن سبقهم في الطب النفسي ومعالجة الأمراض العصبية وبناء مستشفيات خاصة لمثل هؤلاء المرضى.

وتحدثت عن رحمة العرب، ورقة قلوبهم مع مرضاهم، وعلاقاتهم الرائعة بطلابهم، وحرصهم الشديد على تحسين إدارة المستشفيات والعناية بالمرضى عناية بالغة تصل إلى حدّ قد لا تصدقه العقول. ولم تكتف هونكه بذلك فقد سطرت كلاما واستنطقت التاريخ في مجالات علمية أخرى كثيرة لترد للعرب بعض ما أنكره عليهم الحاقدون والكارهون.

لقد كتبت هونكه كتابها لأبناء جلدتها، ولا أظن أنه قد دار بخلدها يوما أن يأتي من العرب أنفسهم من يكتب كلاما يجردهم فيه من القدرة على التفكير العميق وملاحظة التفاصيل ويردّ ذلك إلى أسباب لا يسندها دليل من مثل حالة الجوّ والطبيعة الصحراوية القاحلة، حتى إن الإسلام ـ كما يقول ـ لم ينجح في أن يغير طبيعة التفكير العربي الثابتة المتكررة!!!!

جامعة الإمارات