رغم أن الكفاح الوطني العربي ضد الاستعمار البريطاني والفرنسي والإيطالي في المشرق العربي وفى المغرب العربي شكل ولايزال الأساطير الملهمة في تاريخ نضال الشعوب، بقيت ثورة المليون شهيد في الجزائر واحدة من أكثر هذه الأساطير إلهاما لثورات الحرية سواء في طبيعة الاستعمار الاستيطاني العنصري الفرنسي المماثل للاستعمار الصهيوني في فلسطين، أو فى طبيعتها الثورية الثقافية الوطنية، وفى عروبتها وفى إسلامها، وفى ارتباطها بقضايا التحرر الأفريقي والعالمي.
وبرغم أن الشعوب العربية قد تابعت بمشاعرها ثورة الجزائر التحريرية إلا أن الشعب العربي في مصر كان الأكثر قربا منها ودعما لها، تحت أعلام ثورة 23 يوليو العربية التحررية التي أدركت منذ البداية وحدة حركات التحرر العربي، انطلاقا من وحدة الشعب العربي في مواجهة الاستعمار الواحد تحت كل الأسماء، وهو الذي كان سببا لمآسي الوطن العربي الناتجة عن التجزئة، والتخلف، والاستغلال.
وقد دفعت مصر ثمن هذا الموقف بمشاركة فرنسا في العدوان الثلاثي عليها بعد تفجر ثورة الفاتح من نوفمبر الجزائرية عام 1954من جبال الأوراس بقيادة عسكرية للمناضل «هوارى بومدين» وإعلان بيانها الأول بصوت قيادتها التاريخية للمناضل «أحمد بن بيللا» من إذاعة «صوت العرب» المصرية بعد عامين فقط من الثورة المصرية!
وأتذكر يوم انتصار الثورة الجزائرية، بعد 132 عاما من الاحتلال الفرنسي في ذلك اليوم من أيام يوليو عام 1962، حينما ارتفعت أعلام الاستقلال الجزائرية، حينها كنت ضمن طلاب مدارس القاهرة نقف مع جموع الشعب المصري في الاستقبال الشعبي والرسمي لرموز الثورة الجزائرية الخمسة، بن بيللا، وبوضياف، وخيضر، وبيطاط، وآية أحمد، يحيطون بالرئيس جمال عبد الناصر مرورا بشوارع القاهرة في سيارات مكشوفة قادمين من باريس فور الإفراج عنهم من سجون الاحتلال الفرنسية.
بعد 45 عاما، لاتزال في ذاكرتي كتب مدارسنا التي ربطتنا بمعارك وبرموز الكفاح الوطني مع ثورة الأمير عبد القادر الجزائرى ضد المستعمرين، ولايزال في مخيلتي الفيلم السينمائي المصري عن المجاهدة الجزائرية «جميلة بوحيرد»، ومازالت في سمعي أصداء القصائد والأغاني القومية التي فجرتها ثورة المليون شهيد ورددها الثوار.
والتي توارت مع تراجع المشاعر القومية مع رياح التغريب والعولمة، باسم تطوير المناهج تارة، وباسم الانفتاح على العالم تارة أخرى، في محاولات لتذويب الشخصية العربية المقاومة بقيمها الروحية السامية التي كانت أمضى أسلحتها في النضال من أجل الحرية.
مازالت أغنية الوطن العربي الكبير.. «وطني حبيبي» ذات الكلمات والألحان المصرية وأداء المجموعة العربية صوت «وردة الجزائرية» صادحة.
وطني يا ثورة على استعمارهم إملا جزايرك نار دمرهم
لو نستشهد كلنا فيك صخر جبالنا راح يحاربهم
كما لا يزال هذا المقطع الذي حاول البعض قبل أيام قطعه من النشيد بعد التقارب مع فرنسا ولكن غضب الجزائريين أعاده من جديد، خصوصا بعد تمجيد البرلمان الفرنسي في عهد «شيراك» للاستعمار، ومع رفض خليفته «ساركوزى» مجرد الاعتذار.
يا فرنسا قد مضى وقت العتاب وطويناه كما يطوى الكتاب
فاستعدي وخذي منا الجواب يا فرنسا إن ذا يوم الحساب
إن في ثورتنا فصل الخطاب وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر.