بقي لبنان طوال الفترة الماضية أسير احتمالات متساوية في التفاؤل والتشاؤم لحل أزمته السياسية المستحكمة والمتمثلة بالخلاف بين المعارضة والأكثرية النيابية حول انتخاب رئيس جديد للجمهورية، فيما أصبح موعد انتهاء المهلة الدستورية للرئيس الحالي إميل لحود على بعد ثلاثة أسابيع تقريبا من الآن.

وبقيت أنظار المراقبين السياسيين مشدودة في اتجاه التحركات السياسية الخارجية الساعية إلى تفكيك العقد الإقليمية التي تتحكم بالمصير اللبناني، حيث يعطي المراقبون أهمية قصوى لأبعاد الجولة التي قام بها الموفد الفرنسي جان كلود كوسران مؤخرا إلى كل من الرياض ودمشق وطهران، ويضعون تلك الجولة في أولوية التحركات الخارجية أهمية كونها تؤشر إلى تصاعد الضغوطات الأوروبية على كل من إيران وسوريا لتخفيف ضغوطهما السياسية تسهيلا لمرور الاستحقاق الرئاسي أمام الأطراف المحلية اللبنانية.

ويشدد المراقبون في هذا الإطار أيضا على أهمية اللقاء المرتقب بين وزير الخارجية الفرنسي برنارد كوشنير ونظيره السوري وليد المعلم، والذي سيعقد على هامش اجتماع دول الجوار العراقي في إسطنبول، والذي يأتي بدوره في إطار الضغوطات الأوروبية على سوريا لتمرير الاستحقاق اللبناني، فيما تحول مصطلح «تمرير الاستحقاق» مؤخرا إلى عنوان دولي - إقليمي للمرحلة الراهنة.

وتأتي في الدرجة الثانية أهمية زيارة رئيس المخابرات المصرية عمر سليمان إلى دمشق، والتي يضعها المراقبون في خانة المحاولات لوضع لائحة توافقية مختصرة بأسماء المرشحين المحتملين لخوض المعركة الانتخابية الرئاسية.

وقد جاءت أبعاد التحرك المصري هذا وسط الحديث عن محاولة مصرية لتسويق قائد الجيش اللبناني ميشال سليمان كمرشح محتمل، إلا أن هذه المحاولة لاقت، وفق المراقبين الذين التقى بعضهم وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط قبل أيام في بيروت، رفضا فوريا من قبل قوى الأكثرية التي ترفض لائحة موسعة للمرشحين، مقابل عدم ممانعة من قبل قوى المعارضة وحماسا لافتا من قبل النائب والوزير السابق سليمان فرنجية، إلا ان المراقبين يعتبرون ان لقاء رئيس تيار المستقبل سعد الحريري الأخير في القاهرة مع الرئيس المصري حسني مبارك والوزير ابو الغيط يعتبر مؤشراً لتفاؤل بتقدم المساعي المصرية الهادفة إلى (تمرير الاستحقاق) اللبناني.

العنوان المحلي لتحركات الداخل اللبناني تحول بدوره إلى مصطلح إعلامي هو «الرئيس التوافقي» حيث تركزت كل المساعي السياسية التي دارت في الكواليس على التوصل إلى وضع لائحة مختصرة بالمرشحين للرئاسة الذين يمكن للمعارضة والأكثرية التوافق حول أسمائهم لخوض معركة انتخابية تحت قبة البرلمان اللبناني ستكون إلى حد كبير شكلية أكثر منها ديمقراطية، أما محور هذه التحركات فكان اللجنة التي تشكلت برئاسة رجلي الدين المسيحيين المطرانين شكر الله حرب وسمير مظلوم.

وعضوية ممثلين عن قوى 14 آذار هما الياس أبو عاصي ومروان صقر وممثلين عن قوى 8 آذار هما ناجي حايك ويوسف سعادة والتي عقدت حتى الآن 6 اجتماعات مع الفرقاء تمكنت بنتائجها من تحديد مواصفات الرئيس التوافقي إلا أنها عجزت عن التوصل مع الفرقاء إلى البحث في أسماء المرشحين فتركت الموضوع للبطريرك الماروني نصر الله صفير.

ووصفت شخصية سياسية مسيحية معتدلة شاركت في آخر اجتماع للجنة وآثرت عدم الإعلان عن اسمها، أجواء الاجتماع الأخير للجنة بـ «المتشنج» أما السبب الرئيسي لهذا التشنج فقد كان كشف ممثلي الأكثرية عن شعور لدى قوى 14 آذار بأن الغرض الرئيسي للجنة تحول إلى كشف أوراقها بدلا من التوصل إلى تسوية.

ومع اقتراب المهلة الدستورية لانتخاب رئيس جديد للجمهورية من نهايتها، يبدو الوضع السياسي اللبناني أمام عدة احتمالات من دون ان تلوح في الأفق حتى الساعة أية بوادر لحلول جدية للأزمة السياسية، إذ يفيد المراقبون المتابعون لما يدور في الكواليس من محادثات ومفاوضات، أن موجة التفاؤل التي تضج بها وسائل الإعلام اللبنانية لا تستند إلى أية معطيات واقعية.

ويشيرون في هذا الإطار إلى الهجوم العنيف الذي شنه النائب ميشال عون على الحكومة والأكثرية بعد ساعات على انتهاء آخر اجتماع للجنة، وإلى أن أي تقدم يمكن للجنة أن تكون قد أحرزته كان من شأنه أن يمنع عون من العودة إلى التلويح بأن أي انقلاب سيواجه بانقلاب وبإمكانية تشكيل حكومة انتقالية، وينسبون سلبية عون إلى أمرين أولهما بقاء باب الحوار مفتوحا بين «حزب الله» والرئيس الأسبق أمين الجميل والثاني ما يشاع حول إضافة اسم الجميل، سريا، إلى لائحة المرشحين للرئاسة على الرغم من مجاهرته بعدم رغبته في الترشيح.

كما يصب في خانة عدم التفاؤل بحل مرتقب للأزمة الرئاسية في لبنان، تأكيد أوساط قوى 14 آذار عدم توقعهم نجاح التحركات المحلية الأخيرة في إحداث أي اختراق في جدار الأزمة لأن إمكانات التوافق ما زالت بعيدة بسبب تصلب حلفاء سوريا في لبنان وإصرارهم على انتخاب رئيس يشكل امتدادا لعهد الرئيس الحالي اميل لحود، وتمسكهم بمقولة أن أي رئيس ينتخب من خارج قوى 14 آذار يشكل انتحارا وإطاحة بمنجزات ثورة الأرز وانتفاضة الاستقلال، إضافة إلى تأكيدهم الدائم بأن إمكانية انتخاب الرئيس بالنصف زائد واحدا لا تزال قائمة.

من هنا، فإن المراقبين يتوقعون أن تشهد المرحلة المقبلة تصعيدا معهودا في الأزمات اللبنانية المماثلة، وهو تصعيد عادة ما تكون نتائجه مرهونة بكلمة السر الأميركية التي لم تصدر بعد والتي ينتظرها الجميع ليعرفوا اتجاه الريح، أما في الوقت الضائع فلا بأس من تحميل القيادات المسيحية المارونية مسؤولية عدم التوصل إلى مرشح توافقي فيما بينها حتى الساعة.

كاتب لبناني