قرار حكومة أولمرت، بقطع الوقود عن قطاع غزة، أثار ردود فعل واسعة؛ بسبب طابعه الانتقامي الجماعي. وهي تراوحت بين إبداء الاعتراض وبين الانتقاد؛ مروراً بالإدانة الخجولة. طبيعة الإجراء فرضت عدم السكوت عنه.
وذلك على رخاوته، يستحق التنويه والتقدير. لكن إسرائيل اعتادت على مثل هذه الردود. تتجاهلها أو تتجاوزها؛ وتتعامل معها على أنها حبر على ورق، والسبب أنها بلا أسنان. بل من دون حتى التلويح بتسنينها. ولذلك تكدست على الرفوف أكوام القرارات والاعتراضات على سياساتها وممارساتها؛ من غير ان يكون لها؛ ولو قوة الردع على الأقل. ناهيك بالقدرة على تدفيعها الثمن.
القرار الأخير يأتي لرفع درجة الاختناق على القطاع بالجملة؛ وبما يطول لقمة العيش وحبّة الدواء ونقطة الماء. خطوة ترمي إلى تجويع الغزاويين وحرمانهم من أبسط مقومات الحياة. منظمات لحقوق الإنسان وهيئات فلسطينية، رفعت شكوى قضائية؛ لوقف الإجراء.
الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، سارع إلى وصف لجوء إسرائيل إلى هذا السلاح بأنه أمر «غير مقبول». الاتحاد الأوروبي هو الآخر انتقد، بلسان مسؤولة العلاقات الخارجية، خفض إمدادات المحروقات والكهرباء للقطاع؛ وأعربت عن «القلق الكبير»، في هذا الخصوص. باريس اكتفت بالإعراب عن «أسفها»، لمعاقبة غزة بهذه الطريقة، التي «تفاقم وضعاً إنسانياً خطيراً أصلاً». وكذا فعلت موسكو، التي نددت بـ «عزلة» غزة بسبب مثل هذا الإجراء.
واشنطن بقيت خارج مروحة الردود ـ ربما انها لم تسمع بالأمر!! ـ؛ مع أن ذهاب العقاب الإسرائيلي إلى هذا الحدّ من شأنه تعريض حياة سكان القطاع للخطر. وذلك يتنافى مع كافة القوانين والاتفاقيات الدولية؛ ناهيك بحقوق الإنسان والأعراف والمواثيق المعمول بها والضامنة لحياة وسلامة المدنيين؛ حتى في حالات الحرب.
فإسرائيل بحكم احتلالها المديد لغزة تحكمت بإمدادات الطاقة لها. شبكة الكهرباء المحدودة التي سمحت بإقامتها في تلك الفترة، أقدمت على تفجيرها وتدميرها في أعقاب رحيلها عن القطاع. بعد ذلك صارت تمسك بمفتاح تزويده بحاجاته الحيوية؛ في هذا المجال. والآن هي تحاول البدء في قطع هذا الشريان الأساسي.
كما أرفقت ذلك بجملة تدابير أخرى، مثل تقليص عدد الشاحنات التي تنقل المواد الغذائية والطبية وغيرها، من 120 إلى 50 شاحنة في اليوم. كما جرى خفض كمية البضائع الواردة إلى غزة بنسبة 50%؛ مع إغلاق معابر تجارية، مثل معبر «صوفا» والاكتفاء بفتح معبر آخر ـ كرم أبو سالم ـ الذي لا يسمح إلا بمرور نصف ما كان يمرّ عبر غيره من المعابر.
ومع ذلك وعلى الرغم من وضوح أهدافه التجويعية التركيعية، تنبري تل أبيب لتزعم بأن الغاية من ذلك ليست تنفيذ عقوبات جماعية ضدّ الفلسطينيين!
المحكمة الإسرائيلية، بعد النظر بالشكوى قضت بوقف خطة قطع الإمدادات ولكن بصورة مؤقتة. طبعاً الضجّة التي أعقبت القرار ساهمت في وضع كوابح على مثل هذا التوجه.
بيد أن ذلك لا يرقى إلى درجة المنع النهائي. حكومة أولمرت تعمدت جسّ النبض عن طريق اللجوء إلى هذا السلاح المحظور بالتقسيط؛ فأعلنت القطع بنسبة صغيرة. الردود أجبرتها على إعادة النظر. لكن ليس على صرف النظر، عن هذه الورقة. السوابق تقول إنها في مثل هذه الحالة تلجأ إلى التغيير في الإخراج فقط. وحده الإنذار بتدفيعها الكلفة يثنيها عن ارتكاب جريمة العقوبة الجماعية.
