يبدو العالم العربي بالأحداث التي تجري فيه بالنسبة للكثيرين كئيبا ومحبطا، ويخيل إليهم أن المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تتنازعه لا يمكن أن تجد طريقها للحل، لكن أفرادا آخرين جبلوا على الايجابية، وعلى عشق الصعاب لهم وجهة نظر أخرى في كل ما يجري.
تتلخص وجهة نظرهم في أن التحدي الأكبر لا يكمن في النظر إلى سلبيات هذا الواقع ومشكلاته بل في البحث عن حلول تنهض بهذا الواقع وتتجاوز أزماته مهما كان حجمها ومهما بلغت شدتها.
صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي لخص واقع العالم العربي في الكلمة التي ألقاها عندما افتتح مؤتمر المعرفة الأول الذي تنظمه مؤسسة محمد بن راشد المعنية بتنمية المعرفة في العالم العربي.
كل كلمة في خطابه جسدت واقع العالم العربي وما يختزله من قضايا واحتياجات وبعض الطرق الكفيلة بحل تلك المشكلات أو تلبية الحاجات. وكما عهده الجميع وقف سموه أمام نخبة من المفكرين بثقة معترفا بمشكلات العالم العربي لكنه في الوقت نفسه خلع تلك النظارة السوداء التي أبى غيره أن يخلعها،
وتحدث بتفاؤل انغرس في فكر وقلب كل من حضر ومن كان بحاجة لهذه الدفعة الايجابية التي تقول إن الإصلاح في العالم العربي مازال ممكنا مادمنا نملك الرغبة والإرادة لتحقيق ذلك، ومادمنا حريصين على أن يكون مفتاحنا هو العلم والمعرفة اللذان يقودان إلى حل كثير من المشكلات التي يعاني منها العالم العربي.
لم يكن التفاؤل مستغربا أو في غير محله لأنه فكر سموه وطريقته في القيادة لاسيما وقد امتزج ذلك كله بتجربة انطلقت متجاوزة الأقاويل والهواجس والمخاوف، محققة انجازات، كانت حتى وقت قصير محل شك كثير من المراقبين والمتابعين وحتى الحاسدين الناقمين.
لم تكن كلمة سموه مجرد خطاب غلبت عليه الشعارات الرنانة الشبيهة بالشعارات التي خدرت العالم العربي في السنوات الماضية، بل كانت كلمة أب وأخ وصديق وجه دعوة مفتوحة للنخب السياسية والفكرية والتربوية والثقافية والاقتصادية لتتحمل مسؤولية إطلاق طاقات الشباب.
الشباب العربي مل وسئم السلبيات والأفراد السلبيين الذين ينفثون فيمن حولهم طاقات سلبية شلت حركتهم وأحالتهم إلى العجز، وأصبحوا بحاجة لمن يحتويهم، لمن يقدر طاقاتهم من خلال مبادرات شبيهة إلى حد كبير بتلك المبادرات والمشاريع المعرفية التي أطلقها سموه والتي تنوعت وتعددت بين تحسين جودة التعليم الجامعي، أو الاهتمام بالأبحاث
وغيرها من المبادرات التي نثق بأنها ستغير هذا الواقع المحبط وستجعله أكثر إشراقا متى ما تعاونت الحكومات، ومتى ما بذلت المؤسسات المعرفية جهودها لتغيير هذا الواقع، ومتى ما استوعب كل مفكر المسؤولية الملقاة على عاتقه ليحرك هذه الشعوب نحو المعرفة والنهل منها لتغيير المجتمعات وإحالة يأسها إلى طاقة تجعل العالم العربي يتفوق على غيره
لاسيما وهو عالم لا تنقصه الطاقات البشرية والإمكانات المادية التي بنت ومازالت تبني وتحقق الكثير في الدول الغربية المتقدمة. المؤتمر يعتبر أول قطرة في مؤسسة محمد بن راشد للمعرفة، وأملنا في الله سبحانه وتعالى كبير،
ثم في هذه النخب التي ستجتمع سنويا لتشارك في مراجعة خطط المؤسسة وتطويرها وتقديم المبادرات، والإسهام في تنفيذها. كلنا أمل في أن هذه النخب التي اعتبرها سموه مستشارة للمؤسسة ستستطيع التغيير وستبعد عن شعوب العالم العربي قدرا كبيرا من الإحباط.
نهضة معرفية كهذه ليست بحاجة لمن يستكثر على أصحابها حلما ليس مستحيلا، وليست مستعدة لخسارة المزيد من العقول العربية المبدعة التي قتلتها بيئاتها فربت وترعرعت وآتت أكلها في بيئات بعيدة عنها باتت تقطف ثمرها وتستفيد منها على مرأى العالم العربي. إنها بحاجة لرغبة وإرادة تجعل الحلم حقيقة.
