مشدودة هذه الأيام أنظار العالم من جوانبها السياسية والعسكرية إلى جحافل الجيش التركي المتوجهة إلى شمال العراق، والمكتظة عتادا وعدة باعتبارها جولة حاسمة ومصيرية للحكومة التركية الجديدة، إذ تحاول حكومة اردوغان برئاسة غول وحزب العدالة والتنمية، أن تؤكد ليس للمجلس القومي الأعلى في تركيا وحسب.
بل وللشارع السياسي التركي المشحون بغضب عارم وزخم قومي شديد، لرد الاعتبار للعزة القومية، متناسيا الشارع أن النظام التركي طوال 28 عاما اخفق في القضاء النهائي على حزب العمال الكردستاني، حتى وإن نجح في اصطياد أوجلان في كينيا.
هذه المرة الوضع مختلف بعض الشيء، إذ يقف على سدة الحكم حزب بإرث ديني وبرداء قومي، محاولا التأكيد للشارع بأنه أكثر ولاء لتركيا الكمالية والعلمانية من الجيش وتوجهات العسكر، ليزيح عنه التهمة بأنه بتوجهات وأجندة دينية من جهة، وبأنه ترك القضية القومية والصراعات الداخلية معلقة على حساب أجندة الاهتمام بعضوية الدخول في الاتحاد الأوروبي،
هذا الاتهام بالتناسي لم يكن في محله، فحكومة اردوغان لديها من الملفات الكثيرة المعلقة، والتي يحتاج حلها سياسات داخلية وخارجية نشطة، فليس كل ملف بحجم الآخر، سوى من حيث التعقيد أو النوع . ويأتي تحرك المؤسسة العسكرية بالتنسيق مع المؤسسة السياسية،
خاصة وأن قرار الانطلاق نحو شمال العراق والاستعداد بالدخول في حرب مكلفة نابع عن رغبة متطابقة بين الاثنين، وإن كانت هناك مسافة مختلفة من الرؤية في التوقيت وآلية التنفيذ، ففي الوقت الذي يرى فيه اردوغان وغول، أن استنفاد الخيارات السياسية والدبلوماسية لم تنته،
فما زال هناك متسع من الوقت لاحتواء مشكلة الأكراد خاصة قضية حزب العمال الكردستاني، يرى صقور المؤسسة العسكرية أن الخيار العسكري، ينبغي أن يكون في مقدمة تلك الخيارات، قبل أن تتساقط الثلوج وتختفي الصقور الكردية في جبال شاهقة، فيصعب عمليا مطاردة متمردين قادرين على الحركة السريعة بين شعاب الوديان والصخور .
فإذا ما كان التوازن العسكري كبيرا حتى الآن، ما بين ثلاثة آلاف مقاتل كردي ومائة ألف عسكري تركي مدججين بأسلحة حديثة ومتطورة، فان حرب الغوار والمدن تصبح أكثر تعقيدا من مسألة اختلال التوازن العسكري بين طرفين غير متكافئين .
وإذا فلتت المسألة الكردية من عقالها ولم تجد حلا ناجعا ومرضيا، فان الانتقال إلى المدن والأحياء التركية تجعل من المسألة قضية سياسية أوروبية بالدرجة الأولى، إذ يرى الأوروبيون والأكراد أن أحد أسباب العنف، مصدرها تباطؤ ومماطلة الحزب الحاكم والمؤسسة العسكرية في منح الأكراد سياسيا في تركيا مزيدا من الحقوق وبحقهم في المطالبة بحكم ذاتي موسع.
من يراهنون على قضية الحسم العسكري الممركزة في شمال العراق وجنوب تركيا، ينسون أن القضية لها امتداد أكثر من واقع عسكري وطوبوغرافي متناثر في مناطق معقدة تضاريسيا، حيث تكمن هناك حقائق تاريخية وسياسية لشعب يفوق عدده الخمسة عشر مليونا من الأكراد،
متعطشين لحقوق مدنية وسياسية يرونها منتقصة، في وقت يردد فيه الساسة الأتراك لنظيرهم الأوروبي والأميركي أنهم عازمون على فتح باب الحوار إزاء المسألة الكردية وحقوق الأكراد.
يأتي تحرك القوات العسكرية التركية نحو شمال العراق قي ظروف سياسية معقدة، فمن جهة تستقبل اسطنبول في الثاني من نوفمبر مؤتمرا إقليميا يناقش فيه وزراء خارجية المنطقة قضية العراق، تكون على أجندته مسائل أساسية من ضمنها مسألة كركوك،
لهذا يصبح التحرك التركي نحو الشمال العراقي في هذه الفترة ليس إلا ورقة سياسية واضحة المعالم، فالنفط في كركوك له رائحة مهمة للجانبين التركي والعراقي، وليس مسألة المائة ألف تركي في هذه المدينة إلا قميص عثمان،
ففي الوقت الذي يهمل الأتراك مصالح خمسة عشر مليون كردي في بلدهم، يصرون على حماية الأقلية الضئيلة التركية في منطقة كركوك عصب النفط الحيوي للطرف التركي وشريان الحياة الاقتصادية والطاقة لدى الجانبين .
وستتمحور مناقشة اردوغان مع كونداليزا رايس في واشنطن في الأسبوع القادم، حول ثلاث مسائل جوهرية، أولا كيف تحل تركيا والولايات المتحدة عقدة التناقض والصراع في ذات الوقت على منطقة باتت معضلة لدى حليفين تاريخيين هما الولايات المتحدة وتركيا حول ملف العراق وفي مقدمتها المسألة الكردية،
فمن جهة ترى تركيا أن خيارها العسكري حتميا إذا ما ظلت قفازات حزب العمال الكردستاني تتحرك من شمال العراق وبضوء اخضر أميركي الداعم الحقيقي لحكومة كردستان العراق وإقليمه المتميز بصلاحيات واسعة وقوية من حكومة بغداد المركزية،
والمسألة الثانية قضية نفط كركوك وآلية التعامل حوله بين أطراف ثلاثة، الولايات المتحدة وتركيا وحكومة كردستان العراق، التي تراهن على تحويل اربيل العاصمة إلى «دبي جديدة» في المنطقة وفق تصريحات مسعود البارزاني،
أما المسألة الثالثة وحسب تصريحات رئيس أركان الجيش التركي (يسار بونيو كانيت) الذي يرى زيارة اردوغان المهمة لواشنطن تكمن في إعطاء الضوء الأخضر لتنفيذ عملية عسكرية عبر الحدود من عدمها.
ما يقلق واشنطن يختلف عما يقلق تركيا، إذ تتمحور نظرة اهتمام الولايات المتحدة حاليا في جانبين القضاء على جيوب الإرهاب في العراق والحفاظ عليه كمنطلق جغرافي مستقبلا في حالة الخيار العسكري ضد إيران، في وقت تهتم تركيا بإيقاف الكونجرس الأميركي عن فتح ملف الأرمن حاليا وتأجيله حتى العام 2008.
إن إرجاء قرار المسألة الارمنية لواشنطن قابلة للمساومة بورقة مشاركة تركيا هذه المرة مع حليفها التاريخي في ضرب إيران أو على اقل تقدير عدم ممانعتها في استخدام الأراضي التركية وقاعدة انجرليك تحديدا، حيث لم تكن تركيا في المسألة العراقية حليفا بمستوى اتفاقية الناتو والدور المطلوب تحقيقه أثناء الأزمات.
معضلة قادة كردستان أنهم منقسمون بين خيار السياسة والحنكة وبين ضغوطات الشارع السياسي الكردي على الجانبين، مما دفع بالرئيس طالباني أن يقع في زلة اللسان عندما قال في أحد مؤتمراته «إن تسليم قادة حزب العمال الكردستاني لن يكون إلا حلما»
ومن جهة أخرى تنفي حكومة كردستان العراق وجود أي مكاتب لمتمردي حزب العمال الكردستاني في المنطقة التي تخضع لسيطرة حكومة الإقليم. تلك الازدواجية السياسية المتضاربة لا تعفي ولا تخفي حقائق الأمور والأشياء،
فالجميع بات يدرك حقوق الأكراد كشعب في الجانبين، وأي تفريط من الساسة بها يعني دخوله في أزمة سياسية مع الشعب الكردي، حتى وإن كان يعيش في ضفتين مختلفتين وبلدين متجاورين، فالسياسة وواقعها لدى الأكراد ما زالت تغذي لديهم حلم الوطن المنشود الموحد، أو على اقل تقدير استخدام هذه الورقة لتحقيق مكاسب ذاتية للأكراد في حكم ذاتي موسع.
إن تجاوز الوعورة الطبوغرافية أمر سهل غير أن الوعورة السياسية في قضية معقدة كالقضية الكردية بحاجة إلى واقعية سياسية تستوعب المصالح التاريخية لشعوب المنطقة ودولها دون استثناء أو تعال قومي في عصر ينادي بحقوق الإنسان وبحقوق الأقليات والاثنيات.
كاتب بحريني